أظهرت عمليات ضبط مخالفات عدد من المحال التجارية في المملكة، نمطاً ليس جديداً، ولكنه قوي ومتوازن يحاكي المخططات التي تم وضعها، على صعيد حماية المستهلك، بما في ذلك منح الجهات المختصّة مزيداً من القوة والحرية والصلاحيات، للقيام بدورها في هذا المجال الاقتصادي الاجتماعي الحيوي. كما أنها تعطي دفعة قوية، في الطريق المؤدي للوصول إلى هيئة عامة لحماية المستهلك، تأخذ مكانها الحقيقي على الساحة. فقد آن الأوان لكي تختص وزارة التجارة والصناعة بمهامها الكبيرة في مجال تخصُّصها، وتترك هذه القضية إلى جهة أكثر اختصاصاً، وأشد ترابطاً مع المستهلك، وأوسع تحركاً. علماً بأن كل الإجراءات التي اعتمدتها الوزارة على صعيد تعقُّب المخالفين وآليات فرض المخالفات عليهم، ستشكل أساساً لعمل الهيئة العامة المزمعة.
والحقيقة أن وجود المخالفين على صعيد المحال والمراكز التجارية ليس غريباً، ففي كل الأسواق هناك مخالفون للأنظمة والقوانين، وحتى في الدول التي تتمتع بالحد الأعلى من النضج الإجرائي في هذا المجال، يظهر المخالفون، كلّ حسب الطريقة المشينة التي يتبعها من أجل التلاعب بالأسعار، بل حتى في طبيعة وتكوين السلعة المعروضة نفسها. الجشع لا ينتهي، لكن ناتجه يختلف من مكان إلى آخر. وعلى الرغم من أهمية الحملة الجديدة ضد المخالفين ودلالاتها في السعودية، إلا أن مسألة علامات أو لوحات تسعير المنتجات في حد ذاتها، تبقى من "بديهيات" السوق، بصرف النظر إذا ما كان التسعير صحيحاً أو غير ذلك. ولا شك في أن الغرامة (ألف ريال) التي فرضتها وزارة التجارة على كل صنف لا يحمل علامة السعر، تسهم في ردع أولئك التجار أو أصحاب المحال الذين لا يزالون يعتقدون أنهم يستطيعون القفز فوق القوانين الرقابية، وتلك التي تحمي المستهلك، فقد مضى هذا العهد أو هو في سبيل الزوال!
إن التزام عدد كبير من المحال التجارية المختلفة بنظام بطاقة السعر، يدل أيضاً على أن مهمة القضاء على كل محاولات المخالفين، تسير بخطوات سريعة، وتنشر معها، ليس فقط الأجواء الضرورية التي توفر تهديداً للمخالفين، بل ثقافة تجارية سوقية كان ينبغي أن تكون موجودة منذ زمن طويل. فطالما أن هناك سلعة وبائعاً ومشترياً، ينبغي أن يكون السعر معلناً كتابة، إلى جانب (طبعاً) شرح وافٍ عن السلعة إذا ما كانت طبيعتها تتطلب ذلك. فهذه وحدها (إن لم تكن موجودة) تشكل مخالفة كبيرة، لأنها تضيف التضليل إلى الغش. الحملة الجديدة التي حققت نجاحاً واضحاً، لن تصيب الهدف الرئيس إلا إذا ما كانت جزءاً من سلسلة من الحملات المتتابعة. مع التأكيد على أن بعض أصحاب المحال التجارية يعتقدون أن مثل هذه الحملات لا تتكرّر، وبالتالي فإنهم يستطيعون العودة إلى الاحتيال على القوانين والمستهلك، دون خوف من العقاب المادي.
إن المخالفات التصاعدية التي اعتمدتها وزارة التجارة، تعطي زخماً قوياً لعملية فرض تاريخي حاسم للتنظيمات المرتبطة بالسوق وبالمستهلك. بما في ذلك إغلاق المحل المخالف لأكثر من مرة. فهناك بعض المحال يمكنها أن تتحمّل مخالفة أو اثنتين، ولكنها لا تتحمّل الإغلاق لفترة محددة، الأمر الذي يشكل رادعاً مطلوباً. إن تطوير التعاون بين كل الجهات المختصّة في حماية المستهلك، سيؤدي حتماً إلى الوصول لأعلى مستوى على صعيد العدالة التجارية، كما سيمهد الطريق أمام الهيئة العامة لحماية المستهلك، التي باتت ضرورية، ليس فقط لمنح المستهلك حقه، بل لدعم ثقافة استهلاكية مستنيرة. إنها عملية مطلوبة لكل الأطراف، بمن فيهم التاجر والبائع. فوجود هذه الثقافة، يحمي أيضاً حقوق التجار والموردين الذين يريدون الوصول إلى المستهلك.
