الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 10 مايو 2026 | 23 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

ورطة الديوك

علي الجحلي
الخميس 4 أبريل 2013 4:16

وقعت فرنسا في مستنقع الحرب في مالي. هذه الحرب التي طالت أكثر بكثير من توقعات المخططين الفرنسيين لأسباب كثيرة. أهم تلك الأسباب أن المخطط العسكري لم يضع في الحسبان حجم الضغط الدبلوماسي الذي ستضطر القيادة لاستخدامه لتضمن تحالف قوي يستطيع التعامل مع عناصر المعارضة الإسلامية شمال البلاد. أخفق المخططون كذلك في فهم التركيبة الدينية للشعب المالي، والعلاقة التي تربط المحاربين بالشارع. الأهم أنهم وقفوا مع حكومة ليس لديها من القدرة العسكرية أو الدعم الشعبي ما يمكنها من البقاء بعد مغادرة ''الفاتحين الجدد''.

يتهاوى التحالف الهش الذي بنته فرنسا بسبب الضغوط المالية وعدم قدرة الحكومة الفرنسية على الاستمرار في الدفع لحلفائها، الذين شارك الكثير منهم بحثاً عن حلول اقتصادية لمشاكلهم الداخلية، أو لضمان عدم انتشار المفاهيم التي يتبناها مسلحو مالي في دولهم، خصوصاً أن هناك تقارباً كبيراً بين شعوب المنطقة في الموروث الديني والثقافي.

تبرَّأ الاتحاد الأوروبي من الحرب مادياً برغم الدعم المعنوي الذي قد لا يهم فرنسا في المرحلة الحالية. أوروبا تعاني مشاكل اقتصادية كبرى، وكلما استنقذت دولة من أزمتها، ظهرت مشاكل في أخرى. لهذا يتحفظ مسؤولو الاتحاد عن تقديم أي وعود بالدعم المادي أو العسكري.

أظن أن أكثر الناس سخرية من فرنسا اليوم هم المخططون العسكريون في الولايات المتحدة. أمريكا التي ذاقت ويلات التدخل الخارجي غير المدعوم من الشعوب في أربع دول هي أفغانستان والعراق والصومال وقبلها فيتنام، تعلمت ــــ بالطريقة الأصعب ــــ أن التدخل له تكاليف سياسية واقتصادية وشعبية. تعلمت أمريكا أنها لتخرج لابد أن تطأطئ رأسها، وتهرب بعد أن بدأت حربها وهي ترتدي ''رداء الخيلاء''.

اقتنع حمائم الولايات المتحدة أن التدخل الخارجي باستخدام القوات العسكرية ضد الشعوب، ما هو إلا وصفة تؤدي لإهلاك الاقتصاد في الدولة وتدمر شعبية الحزب الحاكم. حدث هذا في كوريا ثم في فيتنام، وتكررت المأساة في أفغانستان والصومال. أما الحالة العراقية فيمكن القول إن جزءاً من الأهداف العامة تحقق وهو إضعاف هذه الدولة وتحويلها إلى كم هائل من الفساد والعداء والاقتتال البيني. لكن هذا لم يكن ليتحقق دون خسائر بشرية واقتصادية فادحة، بلغ عدد قتلى الجيش الأمريكي نحو خمسة آلاف، إضافة إلى نحو 100 ألف جريح. كانت الحرب في العراق أكثر عمليات التدخل تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، إذ تجاوزت تكاليفها ثمانية تريليونات دولار.

يستغرب الكثيرون محاولات أوباما الهروب من أي التزامات عسكرية في أي دولة أجنبية، وأهمها سورية. لكن الواقع يقول إن أمريكا وصلت لقناعة وهي الابتعاد عن أي تدخل عسكري في حروب كهذه بعد درس العراق وما قبله. المشاركة الممكنة هي من خلال استخدام الحرب الإلكترونية والاستخبارات فقط. تستمر الولايات المتحدة في التهرب من مسؤولياتها حتى وإن اقتنعت بأن الحق مع الشعب السوري وأن التزامها الأدبي كقائدة للعالم الحر يستدعي وقفة إيجابية، لكنها تظل تفكر وتعيد التفكير فيما يمكن أن تؤول إليه الأمور.

يبدو أن الولايات المتحدة اقتنعت بإعطاء فرنسا الفرصة لإبراز عضلاتها. وقع السياسيون الفرنسيون في الفخ، فبعد أن أعطيت فرنسا الفرصة لخوض عمليات عسكرية جوية في ليبيا بدعم من القوات الأمريكية في مجالات المعلومات والطائرات دون طيار، وبعض عمليات القوات الخاصة، تركت الولايات المتحدة حليفتها في الناتو تجرب حظها في مالي. وكم كانت خيبة أمل القادة السياسيين عندما اكتشفوا أن قواتهم لن تستطيع تحقيق المهمة والخروج سريعاً.

يعزى هذا الفشل إلى أسباب كثيرة، فالقيادة الفرنسية برئاسة أولاند فقيرة سياسياً وعسكرياً، فسيرة الرجل الذاتية لا تحمل أي مهام جسام أو مسؤوليات كبرى، وقد يكون هذا هو سبب عدم قدرته على فهم تعقيدات العمليات العسكرية في الخارج وآثارها الاقتصادية والشعبية والبشرية. تمثل سوء التقدير بالنسبة للرئيس أولاند ــــ مرة أخرى ــــ في التخبط الواضح حيال الأزمة السورية.

دعمت فرنسا ثورة الشعب السوري منذ البداية، وهددت بالتدخل أكثر من مرة، بل منحت ممثلي المعارضة مبنى السفارة في باريس. ما لم يتنبَّه له مخططو السياسة الفرنسية هو أن المصالح الدولية تتقاطع في منطقة الشرق الأوسط. واجهت فرنسا دفاع روسيا والصين عن النظام السوري، دون أن تعلم أنها لا تستطيع ــــ في الواقع ـــــ أن تنجح أمام هذين الماردين دون دعم واضح وصريح من أمريكا. دعم مادي وليس خطابياً، قد تكون هناك وعود في اللقاءات السرية بالدعم من قبل الأمريكان، لكنها لم تتجسد على أرض الواقع.

هذا ما يجعلني مقتنعا بأن أمريكا أرادت أن تعرف فرنسا حجمها، وأنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً بمفردها. في الأثناء تعمل أمريكا بالقوة الناعمة في تدمير الثقة بين العالم العربي وروسيا والصين اللتين اتخذتا الموقف الخاطئ في أزمتي ليبيا وسورية من أجل أهداف قريبة المدى. في النهاية كان لابد أن تحاول القيادة الفرنسية أن تحفظ ما تبقى من ماء الوجه. فبعد أن وعد بتسليح المعارضة، عاد أولاند ليتحدث عن إمكانية وقوع السلاح في الأيدي الخطأ، وتعذر بعذر لا أشك أنه من قبيل المناورة السياسية، وهو أن السلاح الذي قدمته فرنسا للمعارضة الليبية، عاد ليؤرقها في مالي.

الحكمة التي يجب أن نخرج بها من مجموعة المواقف المحرجة التي وضعت فرنسا نفسها فيها هي أن ''الديك قد يبيض ولكنه لا يطير''.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية