الأربعاء, 23 سبتمبر 2026|10 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يقطع سمك القد مسافة 16 ألف كيلومتر في حياته. فإذا كان مُقدراً له أن يصل إلى طبق العشاء، فقد يسافر 16 ألف كيلومتر أخرى حينما يموت.

هذا السمك الذي يتم اصطياده من بحر بيرينج يشق طريقه ليصل إلى سير ناقل في مدينة كوينجداو شرق الصين. في مصنع كبير وبارد، يهاجم جيش صغير من العمال السمك شبه المجمد بسكاكين حادة لامعة، حيث يفصلون اللحوم عن العظام في تحليل أدق بكثير.

وبعد أن يُجمد ويحمل في داخل سفن الشحن، يُنزل السمك من السفينة إلى مصنع معالجة في أوروبا أو أمريكا. وقد يقطع فوق ذلك رحلة أخرى قبل أن ينتهي به المآل على هيأة أصابع سمك ويقدم مع فتات الخبز على طبق طفل في مدرسة في موسكو.

توضح رحلة سمك القد المسافات التي سوف تقطعها صناعة الغذاء التي تكلف أربعة تريليون دولار قبل أن تطعم العالم في الوقت الذي تحقق فيه أرباحا. إنها توفر لمحة عن عدد الأيادي التي يمر بها الطعام من المزرعة إلى المائدة، ما يعطي فرصة لبعض اللاعبين عديمي الضمير أن يدروا أرباحاً أكبر على أنفسهم.

يتم تحذير المستهلكين بشكل متزايد عن الإخفاقات والتجاوزات لسلسلة الإمدادات المعقدة ما يعني أن لديهم أفكارا قليلة عما يأكلونه وعما إذا كان آمناً. انتهى الأمر بلحوم الخيل فيما يسمى لحوم البقر في عجين اللازانيا في المملكة المتحدة وأجزاء أخرى من أوروبا. في الولايات المتحدة أصدرت شركة يام براند – الشركة الأم لشركة تاكو بيل وشركة دجاج كنتاكي وشركة بيتزا هت - تحذير من الأرباح هذا الشهر بعد أن اكتشفت معدلات عالية من المضادات الحيوية في دجاجها. وفي عام 2008 قتل الحليب الملوث بالميلامين ستة أطفال رضع في الصين وتسبب في مرض مئات الآلاف.

في الأسابيع التي تلت اندلاع فضيحة لحم الخيل، تعهدت صناعة الغذاء والحكومات بزيادة الاختبارات على اللحم. لكن تنظيم سلسلة إمداد عالمية مجزية سوف يزداد صعوبة وفقط حيث إن صناعة الغذاء تستعد لإطعام ملياري فم إضافي بحلول عام 2050.

مجموعة شركات يونيلفر الإنجليزية الألمانية للسلع الاستهلاكية والتي تقف وراء سمن "فلورا" وغسول الشعر "دوف"، تبيع 30 ألف منتج مختلف الحجم في أوروبا وحدها. وعلى المستوى العالمي فإنها تتعامل مع أكثر من 160 ألفا من موردي منتجات وخدمات مرتبطين بالإنتاج.

المسافة التي تقطعها هذه السلع من المزرعة إلى المصنع إلى المتجر، تساوي الذهاب والعودة إلى القمر مرتين يومياً، كل يوم. يقول بير لويجي سيجسموندي، كبير المسؤولين عن سلسلة الإمداد: "هذا هو مقدار ما يتعين على بنيتنا التحتية اللوجيستية أن تتعامل معه".

روبرت لوسون الشريك المؤسس لرابطة استراتيجية الغذاء والمدير الصناعي السابق، يقول إن المتجر الكبير يمكن أن يحتوي على 20 ألف منتج رئيسي، والعديد منها فيه من 10 إلى 20 مكوِنا.

ويضيف معلقا: "فكرة أن تفحص كل مورِد وكل مكون يزودوك به – أمر لا يمكن حسابه. لا يمكنك هذا. إنها مهمة هائلة للغاية ومناقِضة لما يريده الجميع، وهو طعام أرخص".

أضف إلى هذا اختبار الحمض النووي، وهو إجراء عام تلا فضيحة لحم الخيل، ويقول: "إذاً فإن نهاية الطعام الرخيص قريبة".

شركات التصنيع متعددة الجنسيات مثل "يونيلفر" تجري الكثير من التحكم في الجودة مباشرة عبر سلسلة الإمداد. لكن كما اكتشفت شركة نيسله حينما أجبرت الأسبوع الماضي على سحب وجبات معجنات من المحال في إيطاليا وإسبانيا والمنتجات المصنعة التي تحتوي على اللحم من مورد ألماني، فإن مراقبة كل رابط في السلسلة صعب نظراً للطبقات المتعددة من التعاقدات الخارجية.

يقول جوسي لوبيز، نائب الرئيس التنفيذي للعمليات في "نيسله"، أكبر شركة إنتاج غذائي في العالم: "سيكون هناك ما قبل وما بعد قضية لحوم الخيل، كما كان هناك ما قبل وما بعد قضية الميلامين. ما بعد قضية لحوم الخيل سيكون فحوصا للحمض النووي لدى الموردين، وهذا يعني أنه ستكون لدينا تكاليف إضافية".

فحوص الحمض النووي، كما يعتقد هو وآخرون، لن تكون محصورة على لحوم الخيل بل ستشمل أصنافا أخرى وهو الأمر الذي لم تفكر الشركات في عمل اختبار عليه، كما كان الأمر من قبل بالنسبة للحوم الخيل قبل أن يُكشف عنها.

ويضيف قائلا: "أعتقد أنه سيكون من الواجب علينا ابتكار طرق جديدة لإدارة القدرة على التتبع للسلع التي ننتجها. هناك حاجة إلى القدرة على التتبع محسنة، ليست موثقة وحسب لكنها أيضاً تحليلية".

إنه شعور يتردد في الهوة ما بين السياسيين والموردين وبائعي التجزئة – على الرغم من لعبة إلقاء اللوم التي كانت ردة الفعل الأولية الحتمية – ومراجعة كتاب القواعد متأخرة من عدة نواح.

القوانين في الكثير من دول العالم النامي لها جذور من عقود سابقة كان التركيز فيها على الأمان قبل التركيز على بلد المنشأ. تطبيق القوانين في تراجع أيضاً حيث إن الحكومات التي تفتقر إلى المال الكافي قللت من عدد المفتشين.

في الولايات المتحدة، حلّ الغضب على أساليب إنتاج الغذاء الصناعية في أوائل القرن العشرين، عقب نشر كتاب "الغابة" للكاتب يوبتون سينكلار والذي كشف عن صناعة تعليب اللحوم في شيكاغو. التشريعات التي تبعت ذلك، أنشأت أسلاف الوكالتين اللتين تشرفان على غالبية الصناعة الغذائية. وزارة الزراعة الأمريكية التي تنظم اللحوم والدواجن وبعض منتجات البيض، بينما تنظم إدارة الغذاء والدواء معظم التوازن، بما يشمل الأغذية المصنعة – إضافة إلى الأدوية الموصوفة والأجهزة الطبية.

ويرى البعض أن حمل العمل الثقيل على إدارة الغذاء والدواء هو نقطة ضعف. كارولين سميث ديوال، مديرة أمن الغذاء في مركز سينتر فور ساينس إين بابليك إنتريست التي تقدم المشورة للمستهلكين، تقول: "لدى إدارة الغذاء والدواء وظائف عديدة جداً والقليل من الناس يقومون بعملهم على نحو كاف ونتيجة لهذا يمكن أن يعاني الأمان الغذائي بشدة".

وتضيف: "لدى وزارة الزراعة الأمريكية موظفين في المصانع كل يوم في حين أن إدارة الغذاء والدواء قد لا تزور مصنعا ما لمدة خمس إلى عشر سنوات".

لكن صناعة الغذاء تتجه كثيراً إلى مدققين من طرف ثالث يختبرون مرافق الموردين لبائعي التجزئة والمطاعم التي تشتري منتجاتهم.

روبرت وايتيكر، كبير المسؤولين عن العلوم والتكنولوجيا في شركة بروداكت ماكيت أسوشيشن، يقول: "لديك هذا الفراغ والأطراف الثالثة قاموا بما هو ضروري من أجل جعل الموردين قادرين على التواصل مع المشترين حيث لديهم ضوابط الأمان الغذائي في أماكنهم".

شركة كرانزويك متوسطة الحجم التي تعمل في توريد اللحوم والمعجنات، سيكون لديها تسعة مفتشين من وكالة معايير الغذاء الأمريكية وطبيبان بيطريان في كل من موقعيها في أي وقت من الأوقات، كما يقول أدام كوش، مديرها التنفيذي. ويقول مستطردا: "الإجراء الذي يجب علينا أن نذعن له في المملكة المتحدة قد يجعلنا غير كفؤين وإذا كان الأمر أرخص في أماكن أخرى، فإن التجار عديمي الضمير سيتبعون هذا الخيار".

تم ترديد آرائه من مدير أمان غذائي في شركة ألبان، "برايت فودز"، في شانغهاي. "عمليات تفتيش العينات التي تجريها الحكومة تحدث كثيراً جداً أيضاً في السنوات الأخيرة. القوة الشرطية الحكومية هي أيضاً قوية للغاية لدرجة أنها في بعض الأوقات يكون من الصعب علينا تحملها".

بالنسبة لمصنعين آخرين، تكمن مشكلة كبرى في التماشي مع القواعد غير الموحدة عبر مجموعة من الأسواق المختلفة. يقول لوبيز: "نعتقد أن التنظيمات جيدة، لكن سيكون من الأفضل لو كانت تنظيمات موحدة".

التذمر حول الافتقار إلى التجانس يرتد في السلسلة الغذائية. يتحدث أحد مديري الصناعة السابقين عن خطط لإطلاق منتج مبرد، حيث فحص درجات الحرارة في ثلاجات بائعي التجزئة الأوروبيين. وكانت تصل إلى 16 درجة مئوية، والمملكة المتحدة هي الملتزمة فقط بدرجة الحرارة ما بين صفر إلى 5 درجات مئوية.

الافتقار إلى المعيار الموحد أيضاً يعني أن تكلفة المنتج تتنوع – وهو ما يوفر دافعا آخر للنظر أبعد للإنتاج. لنأخذ لحم الخنزير مثلاً. تستورد بريطانيا نصف لحم الخنزير الذي تأكله، والذي يعد علامة وسببا لما قد يحدث خطأً في سلسلة الغذاء. إنه علامة على قواعد الرفق بالحيوان البريطانية المتبناة من جانب واحد والتي رفعت تكلفة الإنتاج كما يقول أحد المزارعين. ونتيجة لهذا، فإن الظروف المعيشية لخنزير دنماركي أقل ريفية لكن لحمه المقدد أرخص بكثير.

المزارعون هم الحلقة الأولى تماماً في سلسلة الغذاء – وغالباً ما يشغلون أضعف موقع فيها. سواء ما إذا كان مربو خنازير بريطانيون في مزرعة متوسطة الحجم أو صغار مزارعين في ساحل العاج، فبإمكانهم أن يفتقروا إلى حجم بائعي التجزئة والمصنعين الكبار الذين يشترون منتجاتهم. العديد من المزارعين يواجهون ضغطاً كبيراً للإبقاء على التكلفة منخفضة قدر الإمكان أو يخاطروا بأن يجبروا على الخروج من هذا العمل.

هيئة فيرتريد التي تضع المعايير، توضح وجهة نظرها باستخدام الكاكاو. أربع شركات تمثل أكثر من نصف مبيعات الشكولاتة في العالم التي تساوي 82 مليار دولار في 2010 وقد عصفوا بحصة المزارعين من هذه الغنيمة: تقول الهيئة إن مزارعي الكاكاو يتلقون 3.5 في المائة فقط من متوسط قيمة بيع التجزئة من لوح الشكولاتة، مقارنة بـ 18 في المائة في الثمانينيات.

إعطاء المزارع حصة أكثر عدلا، تمكنه من الاستثمار أكثر لتحسين المحصول والجودة، وهو ما سيساعد بدوره في سلسلة الإمداد، كما يقول جاستين شيراد، خبير استراتيجي عالمي في "رابوبنك": يتفق العديد من الشركات الصناعية متعددة الجنسيات وبعض تجار التجزئة بين بعضهم بعض، ولدى أكبر اللاعبين فرق من المهندسين الزراعيين لمساعدة المزارع في تحسين المحاصيل. خصصت شركة ماكدونالدز حملة إعلانية عالمية كاملة لعلاقتها مع المزارعين.

الصين - التي تعد رابطا رئيسيا في سلسلة الإمداد العالمية، وتتجه سريعاً لأن تصبح أكبر سوق خضروات وفواكه عالمي – أُجبرت على الاستجابة إلى فضيحة الميلامين. خصصت الحكومة مزيداً من المال والقوى العاملة للأمان الغذائي، لكن المحللين يقولون إن النتائج قد اختلطت.

وو هينج، مؤسس "زيشوشوانجوي"، موقع تتبع الأمن الغذائي في الصين، يقول: "لا أرى أي تغير نوعي في الإشراف على غذاء الحكومة الصينية بعد أن تم الكشف عن فضيحة الميلامين".

ويضيف: "أكثر تغير إداري مهم كان إنشاء لجنة الأمان الغذائي القومية، لكن سوف نرى ماذا ستكون وظيفتها الحقيقية".

زو زيرين من كلية الإدارة الحكومية في جامعة بيكينج، يرى أن الأمان الغذائي في تحسن "خطوة بخطوة، ويرجع الفضل في هذا بشكل أساسي إلى الوعي بأمان الغذاء بين الإشراف العام والإعلامي".

إيريك تراشتينبيرج من شركة ماكلارتي أسوشياتس الأمريكية لتقديم المشورة الاستراتيجية والموظف السابق في وزارة الزراعة الأمريكية في بكين، أكثر تفاؤلاً ويرجع الفضل في هذا جزئياً إلى إعادة هيكلة الصناعة في الصين، مع الكثير من المتاجر الكبيرة الحديثة واختراقات أكبر من الشركات متعددة الجنسيات التي تستقدم معايير عالمية أكثر.

ويقول: "عندما يكون لديك بيع بالتجزئة على النظام الحديث، تكون لديك شركات لديها تحكم أفضل على سلسلة الإمداد".

لكن تراشتينبيرج كما هو حال الآخرين سريع في الاستشهاد بدور "ويبو" الذي يشبه خدمة التراسل في موقع "تويتر" في الصين.

ويقول: "هناك خوف من الإعلام الاجتماعي: إذا كان منتج ما غير جيد، فسيكون هذا على موقع ويبو في ثلاث ثوان وخلال يوم سيكون لديك آلاف من الناس يعلقون عليه".

وهذا يدوي في أنحاء صناعة الغذاء العالمية: الخوف من الانتقام الشعبي وفقدان السمعة، هو كل شيء بنفس القوة سواء ما إذا تم الترويج له من مراهقين على موقع فيسبوك أو من نشطاء معسكرين في الخارج في أجزاء مترامية الأطراف في العالم.

والفضائح تسبب الأذى. بعد أسبوع من اندلاع فضيحة لحم الخيل في بريطانيا، هبطت مبيعات لحم البرجر المجمد الذي كان المنتج المؤدي للاكتشافات إلى 40 في المائة طبقاً لشركة نيلسين التي تعمل في أبحاث السوق.

المفارقة هي أن كافة لحوم البرجر هذه التي تم التخلص منها وعجائن لازانيا من لحم الخيل التي لم تُؤكل تضيف إلى أطنان من الطعام المهدر، التي لا تفعل أي شيء للنتيجة المالية لأي من اللاعبين في سلسلة الغذاء.

تريسترام ستورت مؤلف كتاب "الهدر" يقول: "هناك كمية كبيرة من التراخي في النظام في الوقت الحالي حول مدى سوء فعلنا للأشياء. جوهر الحقيقة هو أن هناك سلسلة من الحماقة داخل سلسلة الإمداد الغذائي الخاصة بنا (ما يعني) أن هناك أيضاً فرصة".

بإمكان المزارعين والمستهلكين أن يأملوا فقط أنها فرصة تستخدم لتحقيق أقصى قدر من الجودة والأسعار – بدلاً من استغلالها في عكس هذا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية