بالنسبة لأي شخص يتهيب من مترو أنفاق لندن الذي يوجد فيه ما يقرب من 300 محطة في متاهة خطوطه، فمن الأفضل له ألا يحاول أن يتخيل رسما تخطيطيا للمخ البشري.
فرسم خريطة فيها 100 مليار خلية عصبية، مرتبط كل منها بـ 10 آلاف أخرى، يبدو باعتراف الجميع عملا فذا غير محتمل. لكن بعد عقد من اكتمال مشروع الجينوم البشري، برنامج خريطة نشاط المخ – الذي أصبح يطلق عليه بالفعل اسم "بام" اختصاراً لأحرفه الإنجليزية الأولى – يبدو أنه سوف يصبح واحداً من المشاريع العلمية العملاقة في العقد القادم. إذا ما نجح، فقد يحدِث ثورة في معرفة العلماء بظروف تراوح بين مرض التوحد إلى الشلل الرعاش.
هذه الخريطة هي جزء من شيء يبشر بعصر ذهبي لأبحاث المخ. من المتوقع أن يُعلن الرئيس باراك أوباما عن برنامج خريطة نشاط المخ رسمياً في الشهر القادم، حيث سيتم ضخ ما يصل إلى ثلاثة مليارات دولار في علوم الأعصاب على مدار الأعوام العشرة التالية.
اختار الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي مشروع العقل البشري كبرنامج بحثي رائد بتكلفة مليار يورو. وفي الوقت نفسه تضخ الحكومات والمؤسسات والشركات حول العالم مليارات في مشاريع مصممة لمعرفة كيف نفكر وما يحدث حينما يتعرض نظامنا العصبي لخطأ ما – وكيف نصلح الأخطاء.
ومع أن الشكل والبنية وآلية التمويل لبرنامج خريطة نشاط المخ ليسا واضحين وما زال مشروع المخ الإنساني الأوروبي يستعد للعمل، فإن كلا البرنامجين مثيران لعلماء الأعصاب في عهد التقشف.
الإنسانية جمعاء تتأهب للانتفاع، هذا ما يقوله هيو هير من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي يدرس التفاعل بين النظام العصبي والحركة البشرية. يقول: "يعاني نصف سكان العالم من نوع ما من الظروف التي تؤثر في المخ، بما في ذلك المشاكل الجسدية والمعرفية والعاطفية، إذا ما كانت لدينا خريطة للمخ البشري فسوف نكون قد اقتربنا من تطوير العلاج لكل شيء، من الاكتئاب إلى توتر ما بعد الصدمة إلى الزهايمر والشلل".
كان لدينا من قبل ما يسمى "عقد العقل": في التسعينيات، كما أعلن جورج دبليو بوش الأب والكونجرس الأمريكي. وقد أدى هذا إلى تطورات مهمة. كان أحدها اكتشاف "اللدونة" العصبية: حقيقة أن مخ البالغ أكثر تكيفاً للإصابة والمرض مما كان يُقدر العلماء. وقد جاء هذا العقد مع أساليب دقيقة أبعد بكثير، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي، لعمل مسح ضوئي على نشاط المخ.
مع ذلك ففي نواح أخرى، فشل عقد المخ في أن يلبي التوقعات. على وجه الخصوص الأسباب الأساسية للعديد من الأمراض العقلية ظلت مجهولة في نهاية هذا العقد – وما زالت حتى يومنا هذا. لكن علماء الأعصاب يقولون إن التقدم الأخير في مجالات عدة يعني أن طفرات كبيرة في فهم العقل أصبح من المرجح أكثر حدوثها في الأعوام العشرة القادمة.
ستكون هناك حاجة إلى نهج متعدد التخصصات لفهم أعقد عضو في الكون. علم الوراثة والكيمياء الحيوية والتشريح وعلم النفس والتصوير والإلكترونيات والحوسبة سوف يكون لكلٍ منها دور تلعبه، لأن التفكير والوعي يتضمنان مستويات عدة من الكيمياء الحيوية والنشاط الكهربي والجسدي.
وإلى الآن فإن أي برنامج أياً كان مقدار طموحه وسعة نطاقه، يحتاج إلى تركيز وبناء. وبالنسبة للمشاريع الأمريكية والأوروبية، فسيكون أحد التركيزات على ما يسمى مجموع وصلات الدماغ "كونيكتوم"، وهي الوصلات الكيميائية والكهربائية بين هذه المائة مليار خلية عصبية التي تتحكم في تدفق المعلومات إلى المخ البشري.
إنه تحد هائل لكن هناك تقدما يتم إحرازه. معاهد الصحة الوطنية الأمريكية تمول مشروع وصلات الدماغ البشري بتكلفة 40 مليون دولار والذي يعد بداية لاستخلاص هذه الوصلات بصعوبة، على مقياس يراوح من الأصغر (فحص شريحة من المخ تحت ميكروسكوب إلكتروني) إلى ما يرى بالعين المجردة (مسح لأمخاخ 1,200 متطوع، فيما يقومون بممارسة اختبارات معرفية وسلوكية، مع توافر أجهزة التصوير فائقة الدقة).
وفي غضون ذلك فإن مشروع "العقل الأزرق" في سويسرا في معهد الفنون التطبيقية الاتحادي في مدينة لوزان – محور مشروع العقل البشري الجديد للاتحاد الأوروبي – يأخذ منحى مختلفاً إلى حد ما بالنسبة لوصلات الدماغ. إنه يحاكي الدائرة العصبية في حاسوب فائق يدعى "بلو جين" من شركة آي بي إم، ويغذيه ببيانات من دراسات لعقول حقيقية لبناء "عقل افتراضي".
فريق "العقل الأزرق" يقول إنه قد أنشأ بالفعل بعض المبادئ الرئيسية حول الكيفية التي تطور بها الخلايا العصبية نقاط الاشتباك العصبي – الروابط مع الخلايا الأخرى التي تتدفق المعلومات عبرها. دائرة العقل الافتراضي، المحاكاة في الحاسوب، تطابق عن قرب الاتصال في أنسجة العقل الحقيقي.
اتضح أن معظم الخلايا العصبية تنمو على نحو مستقل عن بعضها بعض ومن نقاط اشتباك عصبي حيث ينتقلون إلى خلايا أخرى، بدلاً من أن ترشد من إشارات كيميائية للعثور على أهداف معينة. هذه العملية العشوائية أنتجت عقلاً أكثر قوة وقدرة على التكيف.
مدير العقل الأزرق، هينري ماركرام، الذي سيدير مشروع العقل البشري للاتحاد الأوروبي، يقول إن البحث سيستفيد من تكنولوجيا الحاسب إضافة إلى العلوم العصبية، بتطوير آلات شبه عصبية "نيورومورفية" مبنية في دائرة العقل.
يقول ماركرام: "الحواسب المشابهة للعقل تستخدم طاقة أقل بكثير من (الحواسب العادية)، إنها جديرة أكثر بالثقة ولا تتطلب البرمجة لأنها تتعلم. سنأخذ هذه المحاكاة العصبية شديدة الدقة التي تعمل على الحواسب الفائقة، وسنجعلها أبسط ونضعها في سيليكون. نعتقد أن الحاسوب المكتبي المستقبلي سوف يكون فيه معالج رقمي عادي ومعالج شبه عصبي، وهو ما سيعطيك قدرات حاسوبية شبيهة بالعقل".
مع ذلك فإن نهج المحاكاة الحاسوبية لا يحظى بشعبية عالمية. ميجويل نيكوليلي من جامعة دوك في ولاية نورث كارولينا الأمريكية، الرائد في أبحاث التفاعل بين الدماغ والحاسوب، يقول إن المكونات البيولوجية للعقل تعطيه "خصائص عرضية" لا يمكن مضاهاتها بالسيليكون.
يقول نيكوليلي: "لا أعتقد أنه سوف يكون بإمكاننا محاكاة عقل بشري أو حتى عقل فأر لأن العقل ليس محسوبا. المشروع الأوروبي سيعزز بحث علماء الأعصاب لأن الكثير من الناس مشاركون فيه لكني لا أعتقد أنه سوف ينجح بالطريقة التي تم الترويج له بها".
التفاعل بين الدماغ والحاسوب – الأجهزة التي تربط الأدمغة والآلات – أصبحت أداة بالغة الأهمية لعلوم الأعصاب على مر العقد الماضي. أعلن نيكوليلي الأسبوع الماضي أن فريقه مكن الفئران من "الشعور" بضوء الأشعة تحت الحمراء غير المرئي، بزراعة أقطاب كهربائية في المنطقة مسؤولة عن معلومات اللمس في المخ وربطوها بكاشف عن الأشعة تحت الحمراء. بتوضيح أن منطقة المخ يمكن أن تتأقلم معالجة شعورا مختلفا حينما تتلقى مدخلا حسيا جديدا، فإن التجربة تشير إلى أن الشخص الأعمى بسبب تلف في القشرة الدماغية البصرية قد يستعيد بصره بتلقيه إشارات من عين إلكترونية في منطقة أخرى في المخ.
فريق جامعة دوك سجل إشارات للمخ من أقطاب كهربائية مزروعة فيما يصل إلى ألفي خلية عصبية في قرد. التفاعلات المباشرة مع المخ البشري لا تمتلك بعد هذا القدر من الأقطاب الكهربائية لكنها حققت نجاحاً مذهلاً بنقاط اتصال أقل.
المحاولة السريرية المسماة "برينجيت2" التي أجراها جون دونجو ولي هوشبيرج من جامعة براون في ولاية رود آيلاند الأمريكية مكنت المرضى من التحكم في مؤشرات الحاسب الآلي وأذرع آلية بنقل أفكار الحركة عبر زراعة 100 قطب كهربي فقط.
جوزيف ريزو من جامعة هارفارد يقول إن مشروع "بوسطن ريتينال" الذي يشرف عليه، طور عينا إلكترونية بإمكانها استعادة الرؤية الأولية عبر عملية زراعة 256 قطبا كهربيا في العين. يقول: "إنه لمن المذهل أن بإمكاننا نقل مثل هذه المعلومات المفيدة باستخدام عدد قليل نسبياً من الأقطاب الكهربائية".
قد تكون الأقطاب الكهربائية المزروعة مقبولة للمرضى الذين في حاجة ماسة إلى الشفاء من الشلل أو استعادة نظرهم، لكن لكي نرى داخل عقول المتطوعين الأصحاء، فالباحثون بحاجة إلى أساليب غير انتشارية.
أساليب المسح الضوئي من التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني توفر صوراً رائعة لكنها تبقى بطيئة للغاية بالنسبة لتغير المعلومات الآنية في المخ. تخطيط كهرباء الدماغ، الذي يكشف عن النشاط الكهربائي عبر الأقطاب الكهربائية خارج الجمجمة، سريع بما يكفي لكنه لا يقرأ العقل بتفاصيل وافية.
تود كولمان أستاذ الهندسة الحيوية في جامعة كاليفورنيا سان دييجو، يقول إن التقاط نشاط عصبي خارج الجمجمة هو تحد تقني ضخم. والإجابة كما يقول قد تكمن في الجيل الجديد من الوصلات البينية الحاسوبية اللينة، المصنوعة من دوائر السيليكون المرنة. إنه يعمل مع جون روجرز من جامعة إلينوي لتطوير "إلكترونيات وشمية" كوصلات بينية غير انتشارية.
بدلاً من سبر المخ الحي بأكمله، فهناك نهج بديل بتنمية ودراسة الخلايا العصبية في معمل، يمكن أن تحول الخلايا الجذعية إلى خلايا عصبية وتستنبت لتوفر بدائل لأنسجة المخ.
في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يطور إيدي بويدين وزملاؤه تباينا متطورا. إنهم يستخدمون الطباعة المعدنية الضوئية "الليثوجرافيا"، وهو أسلوب من صناعة أشباه الموصلات، لبناء تركيب ثلاثي الأبعاد يمكن زراعته في الخلايا الجذعية العصبية لإنشاء "عقل صغير" لدراسته. بويدين الذي يعمل في عدة مجالات من الهندسة العصبية، يتوقع أن يجيب هذا البحث عن أسئلة قديمة قدم الزمان حول العقل والوعي خلال وقت قصير للغاية. "نريد حل العقل – نفهم كيف يعمل – في خلال عقدين".

