بدا الأمر وكأن شبح بتينو كراكسي يلاحق إيطاليا الأسبوع الماضي، عندما تم قذف جوزيبي موساري، رئيس مجلس الإدارة السابق في مونتي دي باشي سيينا، بقطع نقدية من قِبَل المتظاهرين الغاضبين بشدة؛ بسبب الجرائم المتهم فيها بإصابة مصرفه بالشلل.
قبل 20 عاماً تقريباً، تعرض كراكسي، رئيس الوزراء الأسبق، لقصف مماثل خارج فندق روما بسبب تورطه في فضيحة فساد ضخمة دمرت النظام الحزبي السياسي الإيطالي لمرحلة ما بعد عام 1945. وأسفرت الفضيحة التي عُرفت باسم تانجينتوبولي، أو برايبسفيل، عن توقيع عقوبة السجن على كراكسي. لكنه لم يؤدها يوماً؛ لأنه هرب إلى تونس، حيث توفي.
وبينما يعيش الإيطاليون الآن مخاضا لإنجاب حكومة جديدة، هناك سؤال واحد يجب أن يشغل بال المستثمرين، وهو ما إذا كانت فضائح الشركات الحالية، المتشابكة مع انتهاكات مزمنة في السياسات الوطنية، والإقليمية، والبلدية، هي بالحجم نفسه الذي كانت عليه فضيحة تانجينتوبولي. وأقول ''يجب أن يشغل البال''؛ لأن المستوى المنخفض نسبياً من عائدات السندات الإيطالية السيادية ومقايضة العجز عن سداد الائتمان يشيران إلى أن المستثمرين لا يعبئون بالفضائح، أو الكيفية التي ستشكل بها البيئة السياسية بعد الانتخابات. وبالنسبة للفضائح فهي بالفعل تخبرنا بكثير عن قدرة إيطاليا على إصلاح نفسها، وعن زيادة النمو الاقتصادي، واستحداث فرص العمل، وتأمين مكانها في منطقة اليورو، ومكافأة المستثمرين كمنتج ثانوي سعيد.
وبين أولئك الذين يرون أوجه الشبه المزعجة وبين فضائح اليوم والفساد الذي كشف عنه ممثلو الادعاء في أوائل التسعينيات، هناك اثنان من الشخصيات الإيطالية والأوروبية العامة الأكثر تميزاً: ماريو مونتي، أستاذ الاقتصاد والمفوض الأوروبي الذي تحول إلى رئيس للوزراء، وجورجيو نابوليتانو، الشيوعي السابق المستنير الذي يشغل منصب رئيس دولة إيطاليا منذ عام 2006. وإذا شعر هذان الرجلان بالقلق، فمن الضروري أن ينتبه المستثمرون.
تختلف أكبر ثلاث فضائح في وقتنا الحاضر عن بعضها بعضا ببراعة. في فضيحة ''مونتي دي باشي'' يبحث المحققون في المعاملات المالية المعقدة التي يبدو أنها وضِعَت لغرض إخفاء الخسائر الناجمة عن توسع طموح أكثر من اللازم. ومع ذلك، نشأ سوء الإدارة في البنك في نهاية المطاف من حقيقة أن القوات السياسية المحلية، من تيار يسار الوسط، استغلت مونتي دي باشي باعتباره مصدرا مهما من أجل توطيد سيطرتها على مدينة سيينا.
كذلك يوجد بعد سياسي في قضية ''فينميكانيكا''. وهذه القضية ترتكز على دفع رشا مزعومة لتسهيل بيع الهند 12 طائرة من شركة أجوستاوستلاند، التابعة لمجموعة الدفاع والفضاء الإيطالية، مقابل 560 مليون يورو. للغرباء، قد تبدو الفضيحة مألوفة مثل أي صفقة أسلحة ملتوية على الصعيد الدولي خلال السنوات الـ50 الماضية. لكن الالتواء يكمن في شك النيابة العامة الإيطالية في أن شريحة من ''صندوق التشحيم'' ربما أخذت طريقها إلى حزب رابطة الشمال، وهو حزب سياسي له علاقات مع جوزيبي أورسي، الرئيس التنفيذي السابق لـ''فينميكانيكا''، الذي ألقي القبض عليه الأسبوع الماضي. وقد نفى أورسي تورطه في الرشا، ونفى كذلك توجه الأموال إلى رابطة الشمال.
في الفضيحة الثالثة، التي تتعلق بمجموعة الخدمات النفطية ''سايبم''، هناك ادعاء بدفع رشا للفوز بعقود في الجزائر، ولا يوجد أي عنصر لحزب سياسي، لكن ظل الدولة الإيطالية يلوح بقوة. ومثلما تملك الدولة 32 في المائة من فينميكانيكا، فإن مالك حصة الأغلبية في سايبم هو شركة إيني، مجموعة الطاقة التي تتمتع الدولة فيها بحصة مسيطرة. ومزاعم الفساد لم تجبر بيترو فرانكو تالي، الرئيس التنفيذي لشركة سايبم منذ عام 2000، فقط على الاستقالة في كانون الأول (ديسمبر)، لكنها تسببت أيضاً في وضع باولو سكاروني، الرئيس التنفيذي لشركة إيني، قيد التحقيق. وينفي كل منهما تورطه في ارتكاب خطأ.
حقا، قضية سايبم تدور بنا دائرة كاملة وتعيدنا إلى نقطة الانطلاق بالضبط. في 1992/1993 تم اعتقال أحد رجال الأعمال بسبب فضائح تمويل الأحزاب السياسية، التي خلصت إلى أن تانجينتوبولي لم تكن سوى سكاروني. فبعد الإقرار بدوره، ومن ثم التوصل إلى صفقة بين ممثل الادعاء ومحامي الدفاع أمكن لسكاروني تجنب قضاء فترة في السجن، وتمتع بمستقبل وظيفي مزدهر رئيسا تنفيذيا، أولاً في شركة بيلكنتون، صانعة الزجاج التي يوجد مقرها المملكة المتحدة، ثم في شركة إينل، منتجة الكهرباء المهيمنة في إيطاليا، وأخيراً في شركة إيني.
وكما في حقبة التسعينيات، فضائح اليوم توضح أن الإصلاح الاقتصادي مشلول في إيطاليا بسبب شبكة من المصالح التي تعزز بعضها بعضا وتمتد عبر السياسة، والشركات المملوكة للقطاع العام، والبنوك، ووسائل الإعلام، وجميع مستويات إدارة الدولة. وكحد أدنى، لا بد من القضاء على الطبقات الحكومية غير الضرورية، والحد من عدد السياسيين المحترفين، وقطع الصلة بين الأحزاب السياسية والمؤسسات المملوكة للدولة. وإذا أنتجت الانتخابات رئيس وزراء يقدّم هذه الإصلاحات بنجاح، ستكون بحق انتخابات تحولية.
