الجمعة, 11 سبتمبر 2026|28 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

في ظل خزائن خاوية وتعثر المصارف والاحتياج الشديد لقرض بمليارات اليورو، يتوجه القبارصة غدا إلى صناديق الاقتراع في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية، ليختاروا رئيسا مهمته المضي قدما في طلب الحصول على برنامج إنقاذ أوروبي. لكن المحك ليس فقط خطر تعرض قبرص للإفلاس، فالمراقبون يعتقدون أنه ما لم يتم إيجاد حل في المدى القريب، فمن الممكن أن تتسبب مشاكل السيولة النقدية للجزيرة في اشتعال أزمة ديون منطقة اليورو من جديد.

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن أندرياس ثيوفانوس أستاذ الاقتصاد السياسي ورئيس مركز الشؤون الأوروبية والدولية في جامعة نيقوسيا قوله: إن قبرص والاتحاد الأوروبي على السواء لديهما دور يتعين عليهما القيام به، مضيفاً: إن الأزمة "تتطلب مناهج جديدة محليا وكذلك مساندة وتضامنا من الاتحاد الأوروبي"، غير أنه حذر من أن "مجموعة اليورو، وسط صراع قوة سياسي بين الدول الأعضاء ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، تستمر في تنفيذ سياسات قد تخلق مشاكل بالنسبة لاستقرار منطقة اليورو ككل".

ومع نفاد السيولة لدى قبرص سريعا، تتأكد صعوبة التوصل إلى اتفاق بشأن حزمة الإنقاذ، إذ إن كل الخيارات المدرجة على الطاولة فعليا من أجل تجنب العجز عن سداد الديون تطولها عراقيل في ظل نضال واضعي السياسات الأوروبية لاستعادة ثقة المستثمرين وبالمقارنة بمئات المليارات من اليورو التي تم استخدامها لمنع اليونان وإيرلندا والبرتغال من الانهيار، يعد مبلغ 17.5 مليار يورو التي تحتاج له المصارف القبرصية وخزانة الدولة صغيرا نسبيا.

لكن من حيث القيمة الحقيقية للقرض، فهي تعادل قيمة اقتصاد الجزيرة بأكمله، كما يخشى كثيرون من ألا يتم سداده أبدا.

وفي ظل مخاطر قرض لا يمكن تحمل سداده قال تيوفانوس: إنه "سيكون من الضروري النظر في ترتيبات أخرى، مثل عمليات رسملة المصارف التي تتولاها آلية الاستقرار الأوروبي".

وتعرضت مفاوضات إنقاذ قبرص لعقبات في الأشهر القليلة الماضية بسبب اتهامات بأن مصارف البلاد هي مركز لعمليات غسل الأموال وملاذ للمتهربين من الضرائب. وكشرط لاستئناف المحادثات، سيخضع الرئيس الجديد لضغوط من أجل الموافقة على إجراء مراجعة على ودائع غير مواطني الاتحاد الأوروبي، بعدما ذكرت تقارير أن الأثرياء الروس ورجال الجريمة المنظمة (المافيا) ومسؤولين فاسدين يودعون 26 مليار دولار في قبرص. وتصر ألمانيا على أن موسكو، نظرا لاستثماراتها الكبيرة في الجزيرة، ينبغي أن تسهم في أي برنامج إنقاذ، وتحتاج نيقوسيا إلى تسديد قرض بقيمة 2.5 مليار يورو كانت قد اقترضته العام الماضي من روسيا في عام 2016، غير أنها طلبت من موسكو تمديد موعد استحقاقه إلى عام 2022. ويقول رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي: إن تقديم أي حزمة إنقاذ لقبرص يجب أن يتم في ظل مراقبة دقيقة ومستمرة بشأن التقدم الذي تحرزه البلاد في مكافحة عمليات غسل الأموال.

وتجري قبرص بالفعل بعض إجراءات التقشف التي طالبت بها ترويكا الدائنين المؤلفة من المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

وتشمل تلك الإجراءات خفض الأجور لموظفي القطاع العام، لكن نيقوسيا توقفت فجأة عن اتخاذ خطوات أخرى مثل خصخصة شركات حكومية وكذلك تنفيذ إصلاحات كبيرة على نظام التقاعد والمعاشات.

ولكن حتى إذا أجرت قبرص مزيدا من التخفيضات وبيع حصص في شركات الطاقة والاتصالات الحكومية، يشدد كثير من المحللين على أنها ستظل عاجزة عن خفض الدين الحكومي المرتفع إلى مستوى غير محتمل، ويتجه الدين العام إلى تخطي نسبة 140 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في ظل وجود خطة إنقاذ.

وهناك مقترحات جذرية أخرى، مثل إعادة هيكلة أزمة الديون السيادية للبلاد وفرض خسائر على المودعين غير المؤمن عليهم في البنوك. لكن هذه الاقتراحات لاقت رفضا من جانب المسؤولين القبارصة والأوروبيين الذين يخشون من أنها ستضر بثقة السوق الهشة وتزيد المخاطر بالنسبة للبنوك العاملة في دول أخرى متعثرة في الاتحاد الأوروبي.

بل إن وكالة موديز للتصنيف الائتماني حذرت من أن فرض خسائر على المودعين كجزء من خطة إنقاذ قبرص سيؤثر في تصنيفات المصارف الأوروبية بشكل عام. ولكن بالنسبة لكل مشاكل قبرص، هناك عنصر حاسم يقبع تحت المياه قبالة سواحلها ألا هو الغاز الطبيعي الذي تقدر احتياطياته بنحو 60 تريليون متر مكعب في جنوب وجنوب شرق الجزيرة.

وحصلت الجزيرة القبرصية بالفعل على نحو 200 مليون يورو مقابل إصدار تراخيص التنقيب عن النفط والغاز لشركات الطاقة العالمية، وقال تيودور كولومبيس الأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية في جامعة أثينا: إن "قبرص تمتلك احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي.. لذا فهناك إمكانية - على الرغم من أنها ليست فورية - أن تستفيد من هذه المزايا وتساعد في خفض الدين".

لكن المرشح الأوفر حظا في جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة القبرصية نيكوس أناستاسياديس "66 عاما" قال: إنه على اتصال مع حكومات وصناديق لم يحددها من أجل الحصول على قرض قصير الأجل لضمان عدم تعرض الجزيرة للإفلاس قبل أن تحصل على خطة إنقاذ دولية.

وحصل أناستاسياديس على نحو 45 في المائة من أصوات الناخبين في الجولة الأولى من الانتخابات التي جرت الأحد الماضى وهو المرشح الأوفر حظا للفوز بمقعد الرئاسة خلال الجولة الثانية التي تجري الأحد المقبل.

وقال أناستاسياديس لوكالة "رويترز": إنه تم استطلاع موقف عديد من الأطراف من بينها حكومات وصناديق لم يذكر اسمها بشأن الحصول على قرض قصير الأجل ، وأوضح أن قرضا لمدة شهر أو شهرين لن يحل محل خطة إنقاذ تجري قبرص محادثات بشأنها مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وقال أناستاسياديس من مقر حزبه: إن هدفه استكمال اتفاقية قرض الإنقاذ بقدر من الراحة دون ضغوط، دون تهديد أو خوف من الانهيار.

وتعد هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها مرشح رئاسي في قبرص عن محادثات للحصول على قرض قبل محادثات خطة الإنقاذ المستمرة منذ ثمانية أشهر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية