الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

الآن تعيش منطقة اليورو عامها السادس من الأزمة ــــ ومن الجهود التي يبذلها البنك المركزي الأوروبي والمجتمع الدولي لإنهاء هذه الأزمة. لقد أصبح صناع القرار متورطين في نوع زاحف من التدخل قد يؤدي، على حد تعبير رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، إلى تغيير هيئة منطقة اليورو ''إلى حد يتعذر معه التعرف عليها'' ويخالف القواعد الاقتصادية والسياسية الأساسية التي تعمل أوروبا وفقاً لها.

كان أحدث المطالب، الذي أعرب عنه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بصوت عال، موجهاً إلى البنك المركزي الأوروبي بالتحكم في سعر الصرف. ويشعر هولاند بالانزعاج إزاء الارتفاع السريع لقيمة اليورو، الذي ارتفع من 1,21 دولار في نهاية تموز (يوليو) 2012 إلى 1,36 دولار في أوائل شباط (فبراير) من هذا العام. والواقع أن سعر الصرف الذي يزداد قوة يفرض ضغوطاً إضافية على اقتصادات فرنسا وجنوب أوروبا المتهالكة، ويقوض قدرتها التنافسية المتدنية بالفعل.

كان الائتمان الرخيص الذي بشر به قدوم اليورو سبباً في تغذية فقاعات اقتصادية تضخمية في جنوب أوروبا، ثم انفجرت هذه الفقاعات عندما اندلعت الأزمة المالية. وسرعان ما ساءت شروط الائتمان، ولم يتخلف عن ذلك سوى بقايا مبالغ في تقدير سعرها لاقتصادات أصبحت معتمدة بشكل مفرط على التمويل الأجنبي.

ويعاني الاقتصاد الفرنسي بدوره لأن عملاءه في جنوب أوروبا يواجهون متاعب جمة. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة جولدمان ساكس، فإن فرنسا ستضطر إلى خفض القيمة بنحو 20 في المائة نسبة إلى متوسط منطقة اليورو، وبنحو 35 في المائة نسبة إلى ألمانيا، حتى يتسنى لها أن تستعيد استدامة الديون الخارجية.

وقد حاول البنك المركزي الأوروبي والمجتمع الدولي ــــ خاصة صندوق النقد الدولي ــــ التعامل مع الأزمة من خلال الاستعاضة عن نُدرة رأس المال الخاص بالائتمان العام. فقد حول البنك المركزي الأوروبي مخصصات إعادة تمويل الائتمان وخلق النقود ــــ بما قيمته 900 مليار يورو ــــ باتجاه جنوب أوروبا وأيرلندا، وفقاً لقياسات توازنات هدف اليورو سيستيم. ولكنه بهذا زج بنفسه في موقف بالغ الخطورة، لأن السبيل الوحيد لتنفيذ ذلك التحول كان من خلال خفض متطلبات الضمان لإعادة تمويل الائتمان. وإلى حد كبير، كانت الضمانات تتألف من سندات حكومية.

إن ارتفاع قيمة اليورو يكشف بوضوح عن الأضرار الجانبية الضخمة، التي أحدثتها سياسة الإنقاذ الأوروبية. والواقع أن التدابير، التي اتخذت حتى الآن فتحت قنوات انتقال العدوى من الاقتصادات المبتلاة بالأزمة على أطراف أوروبا إلى الاقتصادات التي لا تزال سليمة في قلب أوروبا، الأمر الذي يعرض دافعي الضرائب وأصحاب المعاشات في اقتصادات قلب أوروبا لمخاطر مالية عظيمة، في حين يعرقل التعافي البعيد الأمد في الدول المتعثرة ذاتها.

صحيح أن سياسة الإنقاذ الأوروبية نجحت في تثبيت استقرار الأوضاع المالية للحكومات وقدمت أسعار فائدة أقل للاقتصادات المثقلة بالديون، ولكنها أدت أيضاً إلى ارتفاع قيمة العملة، وبالتالي انخفاض القدرة التنافسية لكل بلدان منطقة اليورو، وهو ما قد يتحول إلى كارثة بالنسبة لبلدان جنوب منطقة اليورو وفرنسا، وبالنسبة لليورو ذاته.

لقد تسببت عمليات الإنقاذ التي قام بها البنك المركزي الأوروبي في منع إمكانية خفض القيمة داخليا ــــ من خلال خفض أسعار الأصول، والعمالة، والسلع ـــــ الذي كانت الاقتصادات المتعثرة في مسيس الحاجة إليه من أجل اجتذاب رؤوس الأموال الخاصة واستعادة القدرة التنافسية، في حين يعمل ارتفاع قيمة اليورو الآن على تعقيد ومضاعفة التحدي. وباختصار، تعمل سياسة الإنقاذ الأوروبية على جعل المشكلة الأشد خطورة في مواجهة منطقة اليورو ــــ الخسارة العميقة، التي تكبدتها الدول المتعثرة من قدرتها التنافسية ـــــ أكثر استعصاءً على الحل.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2013.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية