الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

بعد نحو عقد وأقل بقليل من نصف العقد أمضيتها في أروقة محاضرات جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وقاعاتها طالبا في البداية، وبعد ذلك عضو هيئة تدريس، معيدا، ومن ثم محاضرا، أُدرِّس نخبة من طلاب المملكة نظريات الرأسمالية والاقتصاد الحر، وأدرس نظرات الدهشة في عيونهم عندما أصدم براءتهم الفكرية بالحقائق التاريخية؛ ظننت أنه آن للفارس أن يترجل وقررت أن أغادر المجال الأكاديمي للعمل في القطاع الخاص، والتحقت بأحد البنوك الاستثمارية. لو استقبلت من أمري ما استدبرت لن أمتلك الشجاعة لاتخاذ مثل هذا القرار؛ لأن تجربة التدريس في جامعة بوزن جامعة الملك فهد وعراقتها كانت التجربة الوحيدة التي أعطت حياتي معنى أعمق. لا أُنكر أن كبريائي أو غروري الأكاديمي تلقى صفعة عنيفة، وأنني عشت ليالي الروح المظلمة مع لحظات العظمة القليلة، إلا أن تجربة العمل في البنوك الاستثمارية كانت تجربة غنية، أثرت وقوَّمت مفاهيمي للحياة وخرجت منها أقوى وأكثر واقعية مني حين قرّرت خوضها. إضافة إلى أنني فهمت، بالطريقة الصعبة، معنى الجملة التي كانت والدتي ومعلمتي ترددها على مسامعي منذ أن كنت طفلاً ''اللي ما يذبحك يقوّيك''. عملت في أبحاث إدارة الأصول وأبحاث التداول، وقمت بتغطية قطاعات عدة كالتأمين والمصارف، مروراً بالزراعة والخدمات الغذائية، وانتهاءً بتغطية قطاع الكهرباء الذي كان الأصعب والأجمل.

عندما أتحدث عن تغطية قطاع الكهرباء السعودي فأنا أتحدث عن الشركة السعودية للكهرباء، والتي تعتبر إلى ذلك الوقت، منتصف عام 2011، أكبر شركة متكاملة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لإنتاج الطاقة الكهربائية بسعة تقارب 40700 ميجاواط، يُستهلك 51.2 في المائة منها في القطاع السكني، و18.2 في المائة في القطاع الصناعي، و13.8 في المائة في القطاع التجاري، و11.5 في المائة في القطاع الحكومي ــــ بشكل عام ــــ تُستهلك 70 في المائة من الطاقة الكهربائية في التكييف. كان التنبؤ بالنمو المستقبلي للطلب على الكهرباء يعني التنبؤ بالنمو السكاني وعدد المدن الصناعية المستقبلية والنمو في عدد المحال التجارية والمرافق العامة والخدمات الحكومية، باختصار كان تحليل الشركة يتطلب تحليل الاقتصاد السعودي. بفضل الله.. وبفضل مساعدة رجل الكهرباء الأول الدكتور صالح العواجي وكيل وزارة الكهرباء والمياه لشؤون الكهرباء والمهندس ناصر القحطاني، نائب محافظ هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج، الذين لم يبخلوا علينا بالوقت والإجابة عن تساؤلاتنا ومناقشة الخطط المستقبلية لقطاع الكهرباء، وبعد ساعات العمل المطوَّلة التي قضيناها في المكتب أنا وزميلي مشاري، استطعنا تجاوز عقبة التنبؤ بالنمو المستقبلي للطلب على الكهرباء. للأمانة، لم يتردد الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للكهرباء المهندس علي البراك بقبول طلبنا للمقابلة، واستقبلنا بحفاوة إلا أن المحلل المالي عندما يقابل تنفيذي مخضرم وبمستوى ذكاء المهندس البراك، يخرج راضياً مقتنعاً، لكن دون معلومات تذكر. قد يتصور القارئ أنني أحاول الوصول إلى تقرير ''سيتي جروب'' الذي صدر في الفترة الماضية حتى أناقش وتيرة الاستهلاك الداخلي للنفط في المملكة وتقديراته بحلول عام 2030، مع أني أتفق مع التقرير على ضرورة الترشيد في استهلاك الكهرباء والمحافظة على النفط؛ لكونه سلعة استراتيجية يعتمد عليها اقتصاد المملكة، إلا أنني أختلف مع بعض الافتراضات التي بُني التقرير عليها.

في إحدى ليالي تموز (يوليو) الساخنة التي كنت أسابق فيها الوقت لنشر التغطية الاستهلالية للشركة السعودية للكهرباء قبل إعلان الشركة لنتائج الربع الثاني، ولا يؤنسني بعد منتصف الليل سوى أكواب القهوة والدخول على موقع ''فيس بوك'' بين الفينة والأخرى، وجدت أن أحد طلابي قد وضع مقولة للرئيس التنفيذي السابق لشركة ''كوكا كولا'' بريان دايسون. وفقاً لبريان دايسون، فإننا في الحياة نتشابه مع مهرج السيرك الذي يتلاعب بكرات عدة في الهواء، بينما يتلاعب المهرج بكرات ملونة نتلاعب نحن بخمس كرات، وهي العمل والصحة والعائلة والأصدقاء والعبادة؛ يعتبر العمل كرة مطاط لو وقعت سترتد، إلا أن الكرات الأربع الأخرى مصنوعة من زجاج، ولو وقعت أي منها ستُخدش أو تُكسر أو تتهشم. طبعاً لملمت أوراقي وغادرت مكتبي، وفي اليوم التالي اخترت عنوان التقرير ''شركة الكهرباء تتلاعب بكرة من مطاط و كرة من زجاج''. أما كرة الزجاج فهي القدرة على توليد الكهرباء والتي يجب أن تكون كافية لتغطي الطلب المحلي، إضافة إلى هامش أمان يتراوح بين 5 و20 في المائة وفقاً للأعراف الدولية؛ لأن عدم القدرة على توليد طاقة كهربائية كافية قد يؤدي إلى انقطاع الكهرباء عن المنشآت الصناعية ما قد ينتج منه عواقب اقتصادية وخيمة، خصوصاً بعد اعتماد الصناعات التحويلية خيارا استراتيجيا لتنويع مصادر الدخل وتوسيع قاعدة الاقتصاد السعودي وفقاً للإستراتيجية الوطنية للصناعة. أما كرة المطاط فهي الهدر الناتج من عدم استغلال معدات توليد الكهرباء خلال أشهر الشتاء والذي ينتج منه خسارة مليارات الريالات، إلا أن هذا الهدر من الممكن وقفه عند خلق سوق للكهرباء بعد اكتمال ربط شبكة الكهرباء السعودية مع شبكة الكهرباء في مصر، وبعد ذلك أوروبا ودول شمال إفريقيا الأخرى.

أخيراً، أود التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لترشيد استهلاك الكهرباء، والذي مما لا شك فيه يتطلب رفع التعريفة الكهربائية، إلا أن ذلك يجب أن يتناسق مع منظومة الإصلاحات الأخرى ولا يأخذ أولوية على مبادرات القضاء على البطالة وتوطين الوظائف في القطاع الخاص، وكبح جماح التضخم؛ حتى لا تترتب عليه عواقب اجتماعية قد تؤثر ـــ لا قدر الله ــــ في استقرار البلاد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية