يبدو أن ملامح حرب العملات بدأت تلوح في الأفق بعد البيان الختامي لمجموعة العشرين الذي حذر من هذه الأزمة، حيث واصل الجنيه الإسترليني تراجعه في مواجهة الدولار واليورو ليخلق حالة من التوتر في الدوائر الاقتصادية البريطانية، حيث انخفض الإسترليني إلى أدنى مستوى له في سبعة أشهر مقابل الدولار، وبلغ أقل سعر له في مواجهة اليورو منذ خمسة عشر شهرا.
وأرجع مختصون التدهور إلى عوامل في مقدمتها إعلان بريطانيا لبيانات تجارة التجزئة قبل يومين، وغذت البيانات - التي جاءت مخيبة للآمال بعكس المتوقع - لمخاوف بشأن المستقبل الاقتصادي، إضافة إلى تصريحات مارتن ويل أحد كبار المسؤولين في بنك إنجلترا المركزي، التي أشار فيها إلى الحاجة لمزيد من إجراءات لخفض قيمة الإسترليني لإعادة التوازن إلى الاقتصاد البريطاني.
وهبط الإسترليني منذ بداية العام بنحو 4.6 في المائة ليكون أسوأ العملات الاقتصادية أداء بعد الين الياباني، في الوقت الذي حقق فيه الدولار ارتفاعا بنحو 0.8 واليورو بنحو 2.2 وفقا لمؤشرات بلومبرج للعملات.
#2#
واعتبر الدكتور ديفيد هانس أستاذ مادة النقود والمصارف في مانشيستر أن التراجع الراهن للإسترليني يعكس حالة الضعف والخلل التي يعاني منها الاقتصاد البريطاني.
وقال لـ "الاقتصادية" إن العملة تعكس قوة الاقتصاد، والأزمة الاقتصادية مستفحلة في بريطانيا ولا توجد مؤشرات على قرب الخروج منها، ولهذا ينخفض الإسترليني في مواجهة العملات الدولية.
وأضاف: الخطورة الحقيقية لا تكمن في تراجع قيمة الإسترليني، فانخفاض العملة البريطانية في مواجهة اليورو والدولار قد يساهم في زيادة الصادرات وخفض الواردات، وهذا أمر إيجابي لتحسين الميزان التجاري، لكن المشكلة: ماذا سنفعل إذا لم ينعكس انخفاض قيمة الإسترليني إيجابيا على صادراتنا ووارداتنا؟ أزمتنا الاقتصادية ستستفحل.
حالة التشاؤم الاقتصادي من جراء تراجع قيمة الإسترليني تبرز بشكل أوضح مع راين براون أحد المختصين الماليين في بورصة لندن، إذ قال لـ "الاقتصادية": لم يجفّ بعدُ حبر البيان الختامي لمجموعة العشرين، الذي حذر من حرب العملات، وها نحن نشهد تباشير حرب العملات. لقد خفض اليابانيون قيمة الين بنحو 20 في المائة، والآن الإسترليني يهبط بنسبة 0.5 في المائة.
وتابع: من الطبيعي أن الأمريكيين والصينيين وبلدان منطقة اليورو لن يقبلوا بهذا الوضع، وسيسعون لتخفيض قيمة الدولار واليوان واليورو لتعزيز الصادرات، هذا سيعود على الجميع بالخسارة.
وساهمت مخاوف الدوائر الاقتصادية الدولية من احتمال فقدان بريطانيا لتصنيفها الائتماني الممتاز "أيه أيه أيه"، في تراجع قيمة الجنيه الإسترليني، كما لعب التقرير السلبي الذي أصدره بنك إنجلترا منتصف الأسبوع الماضي، وكشف فيه عن توقعات متشائمة للغاية بشأن تواصل ارتفاع معدل التضخم وتراجع معدلات النمو في انخفاض قيمة الإسترليني.
وعلق ستيف انجلندر المختص في أسواق العملات في مؤسسة سيتي على الوضع الحالي للعملة البريطانية بالقول: بنك إنجلترا هو المدافع الأبرز عن خفض قيمة الإسترليني، على أمل أن يؤدي هذا إلى التخلص من حالة عدم التوازن الراهن في الاقتصاد، والمساعدة على النمو.
وانعكست التكهنات حول مزيدٍ من الانخفاض للإسترليني خلال الفترة المقبلة بشكل كبير على أسواق المراهنات والمضاربة، فما يعرف بالمضاربين في الأجل القصير زادوا من مراهناتهم بتراجع العملة البريطانية في مواجهة العملات الأخرى لتصل المراهنات في هذا المجال إلى أعلى مستوى لها منذ شهر حزيران (يونيو) الماضي.
ورغم ذلك فإن الصورة لا تبدو قاتمة لدى البعض، ويعتبر محمد حسن المدير التنفيذي للشركة العربية للتجارة في لندن أن تراجع قيمة الإسترليني ستنعكس إيجابيا على العلاقات التجارية البريطانية مع العالم العربي، خاصة منطقة الخليج.
وقال لـ "الاقتصادية" إن الشركة تصدر سلعاً بريطانية إلى عدد من الدول الخليجية في مقدمتها السعودية، لكننا نجد منافسة حادة من مصدرين آخرين سواء من أمريكا أو البلدان الآسيوية كالهند مثلا، خفض قيمة الباوند سيجعل ما نصدره من المعدات الرياضية أرخص عما كانت عليه من قبل.
وتابع: لكن الأمر لا يتوقف على انخفاض سعر الإسترليني فقط، فإذا لم يتزامن ذلك مع حملة بريطانية، وزيارات مكثفة لكبار المسؤولين البريطانيين للخليج لتشجيع التعاون التجاري بين الطرفين، فإن تأثير انخفاض الإسترليني على التبادل التجاري وتحديدا الصادرات البريطانية لن يكون ملموسا.
ويلعب حجم الصادرات البريطانية لبلدان دول مجلس التعاون الخليجي دورا مهماً في الاقتصاد البريطاني، ورصد وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية اللورد هاويل في كلمة ألقاها قبل أشهر حجم العلاقات التجارية بين بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي بالقول: صدّرنا نحو عشرة مليارات دولار من السلع للخليج العام الماضي (2011).
إنه أكثر مما صدرنا لأمريكا اللاتينية والكاريبي معا، وأكثر مما صدرنا للصين وثلاثة أضعاف صادراتنا للهند، وهذه زيادة تقدر بـ 10 في المائة مقارنة بحجم تجارتنا مع مجلس التعاون خلال عام 2010.
لكن انعكاسات انخفاض قيمة الإسترليني على العلاقات البريطانية الخليجية لا تقف - في وجهة نظر البعض - عند حدود التبادل التجاري بين الطرفين، وتعتبر هدى فليحان مسؤولة العلاقات العامة في إحدى شركات السياحة البريطانية أن تراجع قيمة الإسترليني جاء في الوقت المناسب.
وقالت لـ "الاقتصادية": نحن نقترب من موعد فتح أبواب الحجوزات الخاصة في العطلة الصيفية، وبريطانيا تتنافس مع العديد من البلدان على جذب السياح من منطقة الخليج، وهناك دائما شكوى عامة من ارتفاع الأسعار في لندن مقارنة بالبلدان الأخرى.
وتابعت: الآن ومع انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني سيتشجع العديد من الخليجيين إلى توجيه بوصلتهم السياحية إلى لندن هذا العام، انتعاش السياحة يعني انتعاش العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى كالفنادق والمواصلات، وبالطبع الشراء والتبضّع، ولهذا أعتقد أن خفض قيمة الإسترليني خطوة إيجابية للاقتصاد البريطاني.
إلى ذلك تراجع اليورو مقابل الدولار أمس بعد تصريحات من رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي الذي قال إن ارتفاع اليورو قد يدفع معدل التضخم للهبوط وجدد التأكيد على وجود مخاطر على التوقعات الاقتصادية لمنطقة اليورو.
وبلغ اليورو 1.3334 دولار مقارنة بـ 1.3359 دولار قبل أن يبدأ دراجي الإدلاء بشهادته أمام البرلمان الأوروبي.
كما تراجع الجنيه الاسترليني إلى أقل مستوى في سبعة أشهر مقابل الدولار، متأثرا بتصريحات لمسؤول كبير عن الحاجة إلى مزيد من الانخفاض في العملة وبيانات ضعيفة أبقت على المخاوف من ركود اقتصادي.
ونزل الين قرب أقل مستوى في 33 شهرا مقابل الدولار أمس بعدما أشار رئيس وزراء اليابان إلى أنه لن يكون هناك تغيير في السياسة النقدية شديدة التيسير التي امتنعت مجموعة العشرين عن انتقادها.
وقال شينزو ابي الذي من المقرر أن يرشح محافظا جديدا لبنك اليابان المركزي إن شراء سندات أجنبية قد يكون أحد الخيارات أمام البنك المركزي. وارتفع الدولار 0.6 في المائة إلى 94.01 ين منتعشا من أقل مستوى سجله يوم الجمعة عند 92.20 ين ومقتربا من أعلى مستوى في 33 شهرا عند نحو 94.47 ين الذي بلغه قبل أسبوع. وارتفع اليورو 0.2 في المائة إلى 125.32 ين أي في المنتصف تقريبا بين أقل مستوى في أسبوعين الذي نزل إليه يوم الجمعة عند 122.90 ين وأعلى مستوى في 34 شهرا 127.71 ين الذي سجله في وقت سابق من الشهر الجاري.


