الأحد, 20 سبتمبر 2026|7 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

ما زلنا نعيش عبر ما أسماه ذات مرة المؤرخ جون ليويس جاديز ''السلام طويل الأجل''، التهديد بحدوث حريق نووي حراري انتهى بسقوط حائط برلين، هناك نزاعات عسكرية أقل – بين الدول وداخلها – من أي فترة منذ عام 1945، لم نكن أبداً بهذا الأمان، ومع ذلك فنادراً ما شعرنا بهذه الدرجة من عدم الأمان.

أحد التفسيرات لهذا التناقض الظاهر هو أن التوقعات قد تغيرت، جيل أجدادي وآبائي نشأ ليشهد الحرب بين الدول على أنها تقريباً عرف، ولهذا فهموا عبقرية الاندماج الأوروبي، ترسيخ التصالح في قارة وصلت مرتين إلى أقصى حوافّ التدمير الذاتي، الحروب التي حدثت في أثناء حياتي تم خوضها على مسافة آمنة بعيداً عن لندن وباريس وبرلين.

كلما كان الناس أغنياء قلقوا حول أي شيء قد يخاطر باستقرارهم ورخائهم، خلال الانهيار المالي، قام الناس العقلاء ببيع النقود بكميات كبيرة مقابل سبائك الذهب وملؤوا خزائنهم بالطعام المعلب، وقد تقلص العالم نتيجة للعولمة، ما يحدث الآن في الصومال أو مالي يلقي الضوء على آلاف الأميال بعيداً، حيث إن الأخبار المتداولة تقرب الحروب البعيدة إلى جميع غرف المعيشة.

#2#

#3#

هناك بالطبع أشياء لنقلق حيالها، فمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تحت ضغط هائل، باكستان التي تمر بخطر الانهيار أكثر من أي وقت مضى تُشغل خط إنتاج نووي، وقد قامت كوريا الشمالية باختبار قنبلة نووية أخرى، إذا ما حصلت إيران على القنبلة، فبإمكاننا أن نتوقع حالة من القدرة النووية المجانية للجميع في واحدة من أكثر المناطق خطورة في العالم، تخيل ما قد يحدثه سلاح نووي لحظوظ القاعدة، يوفر الفضاء الإلكتروني ميدانا جديدا للصراع بإمكان الشركات الصغيرة فيه فضلاً عن الدول أن ينشروا أسلحة تسبب زعزعة كبيرة في الاستقرار.

أيّاً كان الأمر، فالقصة الكبيرة خلف المزاج الحالي تتعلق بالطبيعة المتغيرة وتوزيع القوى، لمدة قرنين مارست أمريكا وأوروبا سيطرة عالمية من دون صعوبة، والآن فإن الشرق والجنوب في حالة صعود العولمة وصعود الباقين قلبا التسلسل الهرمي القديم، اللحظة التي كانت فيها أمريكا أحادية القطب هبت في العراق وأفغانستان، وأوروبا أضعفتها الأزمة الاقتصادية، الحدود التي أصبحت مخترقة أكثر من الأول أدت إلى تآكل قدرة السياسيين القوميين على الدفاع عن المصالح الاقتصادية لمواطنيهم.

نقطة الالتقاء الكبرى

كيشور محبوباني، الدبلوماسي السابق من سنغافورة والباحث المرموق معروف لقراء ''فاينانشيال تايمز'' المنتظمين أنه ناقد حاد لتصلب المؤسسات السياسية الغربية ولشعار رأسماليتها الليبرالية. إنه مشجع مفوه للحيوية والتفاؤل، ما أدى إلى عودة ظهور آسيا من جديد، من سنغافورة ينظر إلى إقليم يبدو فيه الغد لمعظم الناس دائماً أفضل من اليوم.

مع ذلك ففي كتاب نقطة الالتقاء الكبرى يأخذ محبوباني منحى مختلف، بدلاً من التركيز على الاضمحلال الغربي، يركز على الاعتماد المتبادل المحاك في نسيج هذا العالم الذي يستعيد توازنه، سيعتمد رخاء وأمان الأمم الصاعدة إلى جانب الأمم المتقدمة اقتصادياً كما يقول على سواء ما إذا كانوا سيجدون طرقاً لمشاركة القوى.

بالنسبة لجميع المنافسات التي لا يمكن تجنبها والنزاعات التي لم تسوَّ والخلافات التي تبدو عسيرة (فكر في الصدامات بين الصين وجيرانها في بحري الصين الشرقية والجنوبية)، تمكن محبوباني من أن يكون متفائلاً، سيكون هناك عدد وفير من العقبات على مر الطريق لكنه يؤمن أنه بالذكاء والنية الحسنة يمكن تجنب الصدام بين الصين والولايات المتحدة ويمكن إدارة النزاعات الإقليمية التي مع الآخرين بقدرها نفسه مع الغرب.

يشير محبوباني إلى قوى التلاقي، الاستقلال الاقتصادي وصعود طبقة متوسطة عالمية توحد مصالح الشرق والغرب، فحْوى كلامه أن العالم بحاجة إلى مؤسسات وقواعد تعترف بالمصالح المتبادلة، دول مجموعة العشرين كما يقترح هي بداية، إنها تقوم بأفضل مما كانت مخولة به في تجنب كساد عالمي بعد انهيار عام 2008، لكن قادة اليوم يجب أن يبنوا أيضاً على مؤسسات متعددة الأطراف كي يتيحوا للدول التي لديها النعرة القومية أن تفكر أكثر على الصعيد العالمي.

يشرح القضية ببلاغة، نظراً للأزمة في منطقة اليورو فمن المشجع أيضاً أن نسمع مُعلق آسيويا يقول، إن الآخرين لديهم شيء ليتعلموه من الاتحاد الأوروبي، ليس هناك سبب جوهري، لماذا هذا النظام البيئي الأوروبي من السلام الدائم لا يمكن أن يتم مشاركته مع باقي الإنسانية؟

هذه الأطروحة هي موازنة مرحب بها بالقياس إلى الكآبة المعهودة في علماء السياسة، الكتاب مليء بالرؤى بشأن العراقيل والعثرات التي تقف في طريق التعاون الدولي، لهذا الكتاب نظرة جادة في توجهه بشأن الديناميكية في صعود الصين: التهديد بالنزاع مع الولايات المتحدة تجدد ليصبح بشأن السلطة على المحيط الهادئ والتوتر الخطير بين الصين والهند وعلاقة الغرب المضطربة مع الإسلام من بينهم، لكن النقاش الأساسي مقنع، إننا جميعاً نبحر على السفينة العالمية نفسها، مصلحتنا المشتركة في أن نظل نطفو أهم من حجم حجرتنا الشخصية في السفينة.

إن القوى لا تنتقل بين الدول فحسب، إنها تفر منها أيضاً، كان هذا موضوعاً أساسياً لتقرير حديث لمجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي حول: كيف يمكن أن يبدو العالم في عام 2030؟ الأمم الصاعدة تغير على سيادتها - ليس لدى الصين سوى القليل من الوقت لفكرة أن صناعة القرار يجب أن تـُقيد بقواعد عالمية، مع ذلك فالقوى المرتبطة للدولة الويستفالية القديمة الكامنة على نحو متزايد في الشركات متعددة الجنسيات، رأس المال الطليق وشبكات عبر الحدود من الناس والقضايا، إلى جانب هذا كان هناك تحول آخر – تمكين الأفراد وجهاً لوجه مع السلطة القائمة، حتى في بكين، تكافح الرقابة لقمع الأصوات المنشقة التي تُسمع عبر الإعلام الاجتماعي في الصين.

نهاية القوة

مويسي نعيم، الباحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، يرى أن هذا ''الميل الكبير'' متأصل في الرخاء الصاعد للطبقة المتوسطة العالمية التي يتحدث عنها محبوباني، ثورة التنقل وانهيار الاختلاف بين المواطنين الأوفر صحة والأفضل تعليماً، في كتاب نهاية القوة، يرى معاقل قديمة تحت الحصار في كل مكان من ميدان المعركة إلى قصر الرئاسة، لتبسيط الأمر، لم تعد القوة تجدي كما كانت في الماضي ... من السهل الحصول على القوة ومن الصعب استخدامها، ومن السهل فقدانها.

وهذا ادعاء كبير، ونعيم يبالغ في بعض الأحيان، ما يعنيه حقاً بدمار القوة هو الانتشار، القوة هي وصف لموقف نسبي، فشخص لديه فأس من العصر الحجري يبدو أقوى إلى جانب غريمه الأعزل، وإذا ما أعطينا غريمه مسدسا فهذا يعيد توزيع القوى بدلاً من تدميرها.

وهذا يقول، إن نعيم أنتج حساباً مدهشاً للطرق التي تجعل من الصعب على الدول والشركات وجماعات المصالح التقليدية أن يدافعوا عن معاقلهم، الدول القوية عرضة للإصابة من الحرب غير النظامية التي شنها الإرهابيون أو القراصنة الصوماليون، وقعت الشركات العملاقة القائمة ضحية لشركات التكنولوجيا الناشئة الماهرة، النصرانية الراهنة في انشقاق أمام تقدم الأبرشيات الشعبية، أباطرة الصحافة تجردوا من تأثيرهم نتيجة للانفجار المعلوماتي على الإنترنت، أينما تولي وجهك تجد أن اللاعبين الكبار من الماضي يتحداهم لاعبون صغار جدد.

يشرح نعيم قضيته ببلاغة، وفي معظم الكتاب يحتفي بتفتيت القوة، ما الذي لا تحبه في تحدي الاحتكارات ومنح حق التصويت للمواطنين وانتصار الابتكار على الميزة الراسخة؟ لكن هناك جانب سلبي، انتشار القوة يوفر عاملا لعدد لا يحصى من المجرمين أو الإرهابيين أو بصورة أخرى الأطراف الفاعلة الخبيثة غير الحكومية.

المشكلة الكبرى هي أن هذا العالم الأكثر تساوياً وتنوعاً وانتشاراً يعاني من نقص في الحكم، إذا كانت الولايات المتحدة لن تعود شرطي العالم مرة أخرى، فمن سيكون؟ ومن أو ماذا سيملأ الفراغ الذي ستتركه الحكومات الضعيفة حينما تكافح لتوفير الأمن الاقتصادي والمادي الذي يطالب به مواطنوها؟

الحكم الذكي

نيكولا بيرجروين وناثان جارديلز مشغولان على نحو مماثل بالقوة، لكن في حين أن نعيم متشكك في التأثير المدمر للإنترنت، فإن كتابهم الحكم الذكي في القرن الحادي والعشرين يتحدث عن التأثير التحويلي في طبيعة السلطة السياسية، صعود الإعلام الاجتماعي في المجتمع المدني كما يقولون هو مغير لأوراق لعبة الحكم.

أي شخص نظر إلى ظاهرة المدونات الصغيرة في الصين سيوافق على أن هناك شيئاً من هذا، لكن الجدل يمكن أن يكون مبالغاً فيه، كما الأمر بالنسبة للرطانة، أكافح لكي أرى المدير التنفيذي لموقع ''فيسبوك'' مارك زوكبيرج واحدا من الحرس الحمر الافتراضيين لوادي السليكون.

المؤلفون مقنعون أكثر حينما ينتقلون إلى الحديث عن التأثير المزعزع للاستقرار للعولمة في سلطة الدولة وتأثيره في الأنظمة الديمقراطية والاستبدادية على سواء، تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها صراعاً لتلبية حاجة المصوتين للرخاء والأمن مع واقع الاعتماد العالمي المتبادل، تواجه الصين مشكلات ضريبية مختلفة لكنها مساوية، الحكم الاستبدادي للحزب الشيوعي يفتقر إلى الشرعية الشعبية.

بيرجروين الذي وصفه البعض ''بالملياردير المشرد'' بسبب تجوله وانتقاله من جناح فندق فاخر إلى آخر، يريد أن يطبق عمليا ما يعظ به، المركز البحثي المسمى على اسمه لديه مشروع لإنقاذ ولاية كاليفورنيا المثقلة بالديون بتشجيع سياسات بعيدة المدى بإمكانها التأقلم مع الأزمة المالية، هناك أيضاً برنامج لإدخال مضمونٍ ما إلى المداولات العالمية لقادة الدول العشرين.

الموضوع المتكرر هو التصادم بين عدم صبر المواطنين المخولين من وسائل الإعلام الاجتماعي وحتمية صنع القرار التي تعترف بالترابط بين الخيارات القومية والعالمية، قد يجادل القليلون في هذا التحليل، ويثير العديد اعتراضا تافها على خاتمة المؤلف بأن ما يلزم هو شكل جديد هجين من الحكم يتزاوج في الديمقراطية الغربية مع الكنفوشيوسية حكم الجدارة المسؤولة.

اعتقادي هو أننا سنعيش مع عدم الأمان هذا لبعض الوقت، هؤلاء الذين يبحثون عن خريطة طريق واضحة لعالم فقد وجهته سيخيب أملهم، إننا نشهد أكبر إعادة توزيع للقوى منذ مائتي عام، ومثل هذا الجيشان لم يكن ليصبح مرتباً، مع ذلك فالواضح هو أن الغرب والشرق عليهما أن يدركا التناقض الذي وضحته بشكل حاذق دعوة محبوباني للحوكمة العالمية، ولكي يحافظ القادة على سيادة حقيقية فيما يتعلق بشؤونهم القومية سيتعين عليهم أن يشاركوها عالمياً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية