الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

منذ سنوات طويلة والحكومات الفرنسية كانت تأمل أن يتخطى الناتج الوطني الفرنسي الخام عتبة الألفي مليار يورو. وأظهرت الأرقام التي نشرها المعهد الوطني للإحصاءات الاقتصادية أن الناتج الوطني الفرنسي بلغ العام الماضي 2058 مليار يورو، علما أن النمو الاقتصادي في 2012م بلغ صفر في المائة.

وهذه المفارقة تكشف أن الناتج الوطني الخام الفرنسي قد تخطى عتبة الألفي مليار يورو ليس بفضل النمو الاقتصادي، لكن بسبب ارتفاع التضخم زادت نسبته 1.6 في المائة.

ويلفت بعض الخبراء الاقتصاديين أن نسبة النمو الاقتصادي في البلاد كانت سلبية في حقيقة الأمر. لأن عدد سكان فرنسا قد زاد 1.5 مليون نسمة في عام 2012م.

ويقول هؤلاء إنه وحتى لو أن نسبة النمو كانت معدومة في العام الماضي، فإن غياب النمو يشكل حدثا مهما، فهو يقلص هامش المناورة الحكومية ويظهر أنه لم يعد بمقدورها اعتبار التخفيف في زيادة النفقات العامة على أنه بمثابة عصر النفقات وبالتالي تخفيضها.

وترصد أعين المفوضية الأوروبية والأسواق ما ستقدم عليه الحكومة الفرنسية خلال المرحلة المقبلة وتأمل باريس أن يمر اجتماع المفوضية الأوروبية يوم الجمعة المقبل على خير وسلام.

ويعني ذلك تحديدا أن تبدي المفوضية ليونة وتفهما لعدم قدرة فرنسا على تحقيق التزاماتها بخفض العجز في الموازنة العامة هذا العام بنسبة 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام وإعطائها مهلة إضافية قد تكون حتى عام 2015م لتخفيف هذا الهدف.

ويرى بعض الخبراء أن بروكسل إذا تفهمت ظروف باريس الصعبة، فإنها لن توقع على شيك على بياض، أي أن المفوضية الأوروبية ستواصل مراقبة الموازنة الفرنسية من كثب.

فالأزمة الاقتصادية فجرت أزمة البطالة، حيث سجلت العام الماضي 72 ألف شخص في نظام تعويضات البطالة، وبات عدد العاطلين كليا عن العمل يفوق 32 مليون شخص، أي أن نسبة العاطلين زادت على 10.5 في المائة وارتفاع هذه النسبة يزيد من عجز صناديق تعويضات البطالة ووصل هذا العجز العام الماضي إلى ثلاثة مليارات يورو.

وستجد الحكومة نفسها مضطرة إلى تخفيض تعويضات البطالة للحد من هذا العجز، وهي ستلجأ في الربيع إلى المفاوضات مع نقابات العمال وأرباب العمل حول هذه المسألة. كما أنها ستضطر لخوض معركة شرسة مع نقابات الممثلين والعاملين في المجال الفني والسمعي والبصري، لأن لهؤلاء نظام حماية من البطالة خاصا بهم، وهو يكلف الدولة أضعاف حماية المستخدمين والعمال والموظفين.

فنسبة عدد العاطلين عن العمل في صفوف الفنانين والعاملين جزئيا في مجال الإعلام السمعي والبصري لا تتعدى 5 في المائة من إجمالي عدد العاطلين عن العمل في فرنسا، لكن هؤلاء ـ أي الفنانين ـ يحصلون على ثلث مساعدات صناديق البطالة، وذلك بفضل عمليات التلاعب والاحتيال على صناديق البطالة بالتواطؤ مع مستخدميهم، سواء أكانت مسارح أو شركات إنتاج سينمائي أو مؤسسات خدمات إعلامية.

فمدير المسرح أو شركة الإنتاج السينمائي خلال التدريبات على العمل المسرحي أو على الإنتاج السينمائي يعلن أن العاملين معه من ممثلين أو تقنيين هم في البطالة، وخلال فترة التدريبات التي من المفترض أن يدفعها المسرح مثلا، يتقاضى الفنان أو التقني تعويضات البطالة.

وعندما يعود إلى خشبة المسرح أو صالات العرض فإنه يتقاضى راتبه. وهكذا فإنه يوجد في سوق العمل ثم يخرج إلى البطالة ثم يعود إلى سوق العمل مجددا حقوقه بالحصول على تعويضات البطالة بشكل دائم.

بينما العامل الذي يسرح من المصنع يحصل على تعويضات بطالة لمدة 23 شهرا إذا كان قد خدم أكثر من سنة، ولا يغير عدد سنوات الخدمة من حقوقه، وإذا انتهت مدة الـ23 شهرا ولم يعثر على عمل فإنه يفقد حقوقه بالحصول على راتب من صناديق البطالة.

وفضح ديوان المحاسبة استغلال الفنانين والعاملين المستقلين في شركات الإنتاج الإعلامي نظام البطالة وطالب بإصلاحه، وسبق لديوان المحاسبة أن تقدم باقتراح مماثل قبل سنوات عندما حاولت الحكومة السابقة إدخال الإصلاحات عليه وثارت ثائرة الفنانين وعطلوا الحركة الفنية في البلاد، وألغوا مهرجان أفينيون المسرحي.

فتراجعت الحكومة عن إصلاح نظام الفنانين، كما أن الحكومة ستجد نفسها مضطرة لإدخال الإصلاحات لقانون تعويضات التقاعد لأن ارتفاع البطالة وتراجع النمو الاقتصادي يحرم الخزانة من العائدات.

فالعاملون في كل المجالات يسهمون في تغطية نفقات صناديق التقاعد وصناديق البطالة والضمان الصحي. وزيادة عدد العاطلين عن العمل يعني تراجع عائدات هذه الصناديق التي تغذيها أيضا المؤسسات الاقتصادية المساهمة. وهذه المسألة تجعل الأمور أكثر تعقيدا بالنسبة للسلطات الفرنسية لأنه في ظل انعدام النمو أو النمو الاقتصادي الضعيف، فإن ذلك سيتطلب من الحكومة الفرنسية اتخاذ إجراءات معاكسة لما هو مطلوب لزيادة النمو، فالحكومة لن تتمكن من زيادة النفقات العامة على غرار ما قررته العام الماضي، على أمل زيادة النمو، وبالتالي فإنه يتعين عليها المزيد من عصر النفقات إذا ما أرادت خفض مستوى العجز إلى 3.5 في المائة أو حتى إلى 4 في المائة. فحتى الآن كانت باريس تستدين بعوائد منخفضة لم يسبق لها أن استدانت مثلها حتى أنها استدانت في عز أزمة اليورو بفوائد سلبية لفترة وجيزة، أي أن الذي اشترى سندات الخزانة الفرنسية لمدة سنة سيبيعها بعد سنة بخسائر، نظرا للتضخم.

لكن مع اختفاء النمو الاقتصادي أو مع النمو الاقتصادي الضعيف فالخبراء لا يتوقعون عودته الخجولة قبل الفصل الثالث من العام الجاري، فإن الأسواق يمكن أن تضارب على السندات الفرنسية، وبالتالي النمو الذي يمكن لفرنسا أن تحققه خلال العام الجاري قد لا يكفي لخدمة الفوائد على الديون الفرنسية.

ومن هنا تبرز كثرة الحديث عن إصلاح نظام ضمان التقاعد وضمان البطالة. ولأول مرة يتم الحديث عن احتمال مساهمة المتقاعدين في تخفيض هذا العجز وأيضا ورشة الإصلاحات ستطول الضمان الصحي وضرورة أن يسهم المضمونون بزيادة تغطيتهم الصحية لتصل إلى 100 في المائة، وذلك من أجل تخفيض عجز الضمان الصحي، وعجز الضمان الصحي في فرنسا يتخطى العشرة مليارات يورو، ومن خلال فرض زيادة التغطية الصحية من 70 في المائة إلى 100 في المائة عبر شركات التأمين الصحية الخاصة، تأمل الحكومة في توفير عدة مليارات يورو.

وبدأت المفاوضات التمهيدية بين أرباب العمل ونقابات العمال كي يستفيد كل العمال والمستخدمين والموظفين من التغطية الصحية الإضافية، فحتى الآن يستفيد ثلث الفرنسيين من هذا النظام.

وكل ورش الإصلاح هذه التي تجد الحكومة نفسها مجبرة على فتحها تتم وفقا لتوصيات ديوان المحاسبة الذي يطالب بخفض النفقات من دون اللجوء إلى زيادة الضرائب لتخفيض العجز في الموازنة العامة.

والربيع المقبل موعد البدء بهذه الورش الإصلاحية، الذي سيتزامن مع مراقبة المفوضية الأوروبية لمدى جدية الحكومة الفرنسية بخفض النفقات، يعد بأن يكون ساخنا وقد يؤجج الحركة الاحتجاجية ويهدد بالانفجار الاجتماعي.

كما أن تخفيض القدرات الشرائية للفرنسيين، إضافة زيادة البطالة والخوف منها، يجعل من الصعب المراهنة على السوق الداخلية أي على الاستهلاك الداخلي لتحقيق النمو الاقتصادي ويبقى التصدير هو الأمل المرتجى للحكومة الفرنسية لتحقيق النمو ولو كان ضعيفا.

والمشكلة هي أن الميزان التجاري الفرنسي يعاني عجزا يصل إلى 70 مليار يورو.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية