عند مشاهدة آثار العلا ومدائن صالح يمتزج الواقع بالخيال، فتتداعى الصور، وتنهال الأسئلة، وتختلط الحقيقة بالخرافة من كثرة ما يرتسم في المخيّلة من علامات التعجب، عن قصة حضارة إنسانية خالدة ومضيئة، رغم أنها قديمة قدم التاريخ نفسه.
بالفعل هي مدينة الأسرار بلا منازع، ولا غرو أن تعدّ هذه المدينة متحفاً مكشوفاً ومنجماً مفتوحاً للكثير من الباحثين الذين وجدوا بغيتهم وأناخوا مطيتهم فيها لإجراء بحوثهم ودراساتهم.
عندما تسير بين آثار العلا تجد أنك تقرأ ملحمة تاريخية كبيرة تعود إلى أكثر من 6000 سنة، يمتزج فيها الحلم بالحقيقة وبالفانتازيا ثم يتحرك المشهد نفسه أكثر لتتداعى الصور مرة أخرى، صورة بعد أخرى تتهادى من المخيلة التي تأسرها شواهد حضارة إنسانية لا تزال شواهدها قائمة من آثار وقبور وسدود ونقوش وكتابات وزخارف وفنون متنوعة تصوّر بكل تفرد تلك الحضارة الحافلة بالنبوغ في المناحي العمرانية والثقافية والتجارية.
#2#
وأنت في العلا لا تلبث أن تقابل السياح من جنسيات مختلفة حيث يجد هؤلاء في غرف التاريخ وأرض الأحلام واحداً من أهم المعالم الزاخرة إلى حد الترف بمخزون تراثي أثري تاريخي.. ولأنها مدينة لا تشبه كل المدن فقد لملمت صخورها وجبالها آثار الأيام الغابرة وسطورا من تاريخ الحضارات المعينية واللحيانية والديدانية وكذلك النبطية.
تقع العلا على الطريق الرابط بين القرى الظاهرة والذي يسمى طريق البخور، وموقعها هذا هيأ لها أهمية استراتيجية تاريخية خاصة ومتميزة، حيث احتضنت حضارات متعددة، ودول مختلفة تعاقبت عليها وخلفت فيها شواهد أثرية تاريخيّة مفعمة بعبق الماضي الأصيل.
وفي هذا السياق يشير الباحث المؤرخ المعروف الدكتور تنيضب الفايدي إلى أن (طريق البخور) يمرّ من (ددن) العلا حالياً وبين العلا والحجر توجد سوقٌ من الأسواق القديمة وهي سوق القرح أو سوق المعتدل ولها تاريخٌ محدد معروفٌ لدى الجميع ولا سيما التجار الذين ينتقلون ما بين أسواق الجزيرة العربية مثل سوق عكاظ وسوق النطاة بخيبر وسوق تيماء وسوق دومة الجندل.. وغيرها.
ويضيف بقوله: لقد قامت حضارات في هذه المنطقة وخلفت آثاراً، ويقف الإنسان حائراً مبهوراً أمام الإرث الحضاري العظيم في كل من الحجر والعلا وتغلفه الدهشة والإثارة كلما تعمق في هذا الإرث، بل لو استخدم المسبار لكشف طبقات الأرض، لوجد أن كل طبقة تمثل تاريخا لكل أمة، إن طبقات التاريخ تظهر عياناً بياناً في هذه المنطقة، أما الحجر فهو عالم مدهش يحتفظ بأسرار، كتب عنه الكثير ولا يزال غضاً ثرياً سيتم الإفصاح عنه مستقبلاً.
ويستطرد الفايدي: وتحتضن الجبال وادي القرى (العلا) من جميع الجهات، ويذكر المؤرخون أن العلا منطقة استيطان منذ القدم، حيث نشأت حضارات متتالية وتركت ما يثبت كل حضارة، حتى إن المؤلف يطلق على تلك الحضارات: طبقات التاريخ، فقد نشأت مملكة الديدان، مملكة لحيان، دولة معين، ودولة الأنباط.
أضاف الفايدي بقوله: مظاهر العلا البارزة كثيرة، وأهمها (الديرة) وهي مدينة حديثة تاريخياً إذا ما قيست بتاريخ المدن المندثرة في العلا، وتتكون الديرة من مجموعة من المباني المتلاصقة والشوارع الضيقة، وأغلب بيوتها مبنية بالطين والحجر، كانت إلى قبل 50 عاماً هي مدينة العلا قبل انتقال الأهالي إلى مبانٍ حديثة، وأغلب الرجال والنساء الذين تزيد أعمارهم على خمسين عاماً حالياً عاشوا داخل هذه البيوت الضيقة المتلاصقة، وتشرف على هذه البيوت قلعة موسى بن نصير.


