الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

عاد وحش نادر للظهور مرة أخرى في أوروبا. في السنوات الأخيرة لم تكن هناك أي رؤى مؤكدة. لكن في الأسابيع القليلة الماضية، تم رصد هذا الحيوان الخجول ـــ المعروف باسم ''أخبار سارة'' – في مواقع أوروبية عدة.

يوم الجمعة الماضي، ظهر الوحش حتى بصورة عابرة في بروكسل. أخيراً انتهت القمة الأوروبية دون حدة أو مهزلة. بدلاً من ذلك توصل القادة الأوروبيون إلى اتفاقية بشأن الميزانية ـــ ولم يضحك أحد.

وظهرت أخبار جيدة أيضاً في الدول الطرفية المعتلة. فقد وصلت أيرلندا إلى اتفاقية ستخفف حمل الدين الثقيل على المالية العامة. وتمت الإشادة برئيس الوزراء، إيندا كيني، في البرلمان حينما أعلن ''خطوة تاريخية على طريق الإصلاح الاقتصادي''. وأفادت ''فاينانشيال تايمز'' أيضاً أن هناك ''توقعاً أكثر إشراقاً'' للاقتصاد اليوناني. وفي كانون الثاني (يناير) تمكنت البرتغال من العودة إلى سوق الديون طويلة الأجل للمرة الأولى منذ خطة إنقاذ الدولة في عام 2011.

فهل هذه بداية نهوض أوروبا العظيمة من جديد؟

بالطبع، الأمر أكثر تعقيداً من هذا. ما حدث في اِلأشهر الأخيرة هو أن التهديد بكارثة حقيقية في أوروبا ـــ مثل إخفاق مصرف كبير أو تفكك اليورو ـــ قد تراجع. ونتيجة لهذا، فإن المستثمرين أكثر ثقة. وهذا بدوره يساعد على أن يلتقط الاقتصاد الحقيقي أنفاسه. وهو ما وصفه رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دارجي، بأنه ''عدوى إيجابية''. لكن على المتشائمين ألا ييأسوا. هناك كثير مما قد يحدث خطأ ً.

إن أزمة منطقة اليورو يتم التعامل معها على ثلاثة مستويات مختلفة ـــ مالية واقتصادية وسياسية ـــ كل منها يؤثر على الآخرين. ومن الواضح أن الأهوال المالية قلت بعدما وعد دراجي بأن يفعل ''ما يتطلبه الأمر'' لإنقاذ اليورو. وتعهد البنك المركزي الأوروبي بأن يجري عمليات شراء ''غير محدودة'' للسندات السيادية، وكان بمثابة خدعة حميدة.

ومع أن الضغوط المالية خفت، إلا أنها لم تختفي. فالاحتياجات المالية للدول مثل إيطاليا وإسبانيا ما زالت هائلة. وما زالت مصارف أوروبا عرضة للإصابة. ويشير سوني كابور، من مركز ''ري ديفاين'' البحثي، إلى إسبانيا، حيث تواجه المصارف ''مشاكل متصاعدة في تقديم الرهون العقارية وأسعار المنازل الهابطة وارتفاعاً في القروض السيئة''.

ومعظم الاقتراحات للانعطاف الجذري تأتي من دولٍ صغيرة في محيط الاتحاد الأوروبي كانت الأكثر معاناة – أيرلندا والبرتغال وفوق كل شيء اليونان، حيث انكمش الاقتصاد 25 في المائة منذ 2008. وبصرف النظر عن هذه الكارثة، لم تخرج اليونان من اليورو ـــ ولم يتول أمرها فاشي، أو شيوعي. وإذا ما استجمعت عملية إعادة الإحياء الاقتصادي قواها، ستتحدى التوقعات وتخرج من الأزمة بعملتها وديمقراطيتها سليمتين.

مع ذلك، المزاج العام في إيطاليا وإسبانيا ما زال كئيباً. فإيطاليا في وسط أسوأ ركود منذ الحرب العالمية الثانية وإسبانيا تعاني بطالة تبلغ 26 في المائة. مع توقع أقل بإعادة إحياء اقتصادي سريع في كلتا الدولتين، ويبقى التهديد بثورة اجتماعية وسياسية. والاقتصاد الفرنسي أصيب بالركود الرئيس فرانسوا أولاند يفقد شعبيته بسرعة.

والسؤال الأكثر إلحاحاً بشأن قصة إعادة إحياء أوروبا هو سؤال سياسياً: انتخابات إيطالية في 24 و25 شباط (فبراير). ماريو مونتي، التكنوقراطي غير المنتخب الذي ساعدت فترة ولايته على إحياء الثقة العالمية في إيطاليا، من غير المرجح أن يفوز. وأي حكومة جديدة من المرجح أن تكون أقل استقراراً وأقل حيطة حيال الإصلاحات. وأي فترة قصيرة من الشلل – أو أي إشارة إلى أن سيلفيو برلسكوني سيعود إلى مقعد القيادة ـــ قد تجعل أوروبا مرة أخرى قصة ''إخبارية سيئة''.

والتطورات السياسية في إسبانيا أيضاً تشير إلى أن المتاعب في الانتظار. فرئيس الوزراء، ماريوانو راخوي، وحزب الشعب المنتمي له غارقان في فضيحة فساد تتضمن إدعاءات حول مكافآت غير قانونية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 80 في المائة من الإسبان يعتقدون أن قيادة حزب الشعب عليها أن تستقيل بصورة جماعية. وفي الوقت عينه يبدو حزب المعارضة الرئيسي منهك وغير جدير بالثقة، وهناك منفذ جديد لقوى سياسية جديدة. ونظراًَ إلى أن البطالة أكثر من 50 في المائة وهناك أجزاء من البلاد تهدد بالانفصال، لا توجد أي ضمانة على أن هذه القوى السياسية الجديدة ستكون محبوبة من التيار الوسطي.

والاضطراب السياسي في إسبانيا وإيطاليا قد يروّع الأسواق مجدداً ويجعل من الصعب أكثر إقناع الأوروبيين الشماليين بتدبر أمر خطة إنقاذ إضافية. ومن المرجح أن قبرص ستحتاج إلى خطة إنقاذ الشهر المقبل، لكن سمعة الدولة كملاذ للأموال الروسية المغسولة يجعل من الصعب أكثر إقناع البرلمان الألماني.

مع ذلك، الأخبار السارة التي تجول في أوروبا لا يمكن رفضها ببساطة. فالأحداث في اليونان والبرتغال وفي أماكن أخرى تشير إلى أن أنظمة أوروبا السياسية والاجتماعية بإمكانها أن تنال قدراً كبيراً من العقاب دون أن تنهار. والسياسيون الألمان والعاملون في المصارف المركزية الأوروبية أوضحوا أيضاً أنهم عازمون على الإبقاء على اليورو.

لكن سيكون هناك ألم اقتصادي إضافي وعدم استقرار سياسي. وعلى القادة الأوروبيين أن يثبروا غور هذه الأزمة دون تفسير مقنع حول كيف سينتهي بها المآل. ومن برلين إلى بروكسل يستمرون في القول بأن الحل بعيد المدى للأزمة يتمثل في اتحاد سياسي أكثر عمقاً. لكن هناك شاهد ضعيف على أن لديهم الإرادة، أو الدعم الشعبي للوصول إلى هذه الوجهة بعيدة المنال.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية