في 27 نيسان (أبريل) دُمر النظام الشمسي ''جيتا'' أسطول سفن كان يطلق النار على أي شيء يحاول السفر عبر مجاله. المرور بأكمله في النظام الشمسي الذي يعد منطقة تجارة رئيسية للمعادن والمواد الأخرى تم توقيفه تماماً. لم يكن هذا بداية لفيلم خيال علمي، لكنه تصرفات اللاعبين داخل لعبة ''إيف أونلاين''، التي بإمكان اللاعبين أن يأخذوا دورهم فيها في التعدين أو التصنيع أو التجارة أو حتى القرصنة.
شركة ''سي سي بي'' الآيسلندية التي تقف وراء هذه اللعبة هي من أتاحت حدوث هذا الدمار. يقول إيجويلفر جودموندسون، الخبير الاقتصادي الرئيسي لشركة الألعاب : ''إنهم يدفعون المحرك الاقتصادي بحق للعبة إيف أونلاين لأن كافة هذه السفن يجب أن تبنى من مصادر محددة. الحرب عبارة عن استهلاك في إيف أون لاين''.
جودمونسون عميد كلية الأعمال والعلوم سابقاً في جامعة أكوريري في آيسلندا، كان أحد أول الخبراء الاقتصاديين الذين عُيّنوا من شركة الألعاب لجلب خبرة العالم الحقيقي إلى ألعاب الفيديو، حيث تدرك الشركات أن أنظمة التجارة داخل الألعاب كانت تعمل كاقتصادات مصغرة.
اهتمام جودمونسون الخاص بلعبة ''إيف أونلاين'' عززه بحثه عن بيئة بإمكانه وضع نظرياته الاقتصادية فيها. يقول: ''أعتقد أن هذا مثير للاهتمام بحق، إذا ما استطاعوا أن يصبحوا بنفس الحجم الكبير الذي يطمحون إليه، فسيكون هذا أداة ممتعة حقاً لعلماء الاقتصاد التجريبيين''.
يقارن البحث ووحدة الإحصاءات التي يديرها للعالم الافتراضي بمصرف مركزي. تراقب الوحدة بيانات اقتصادية داخل اللعبة، إضافة إلى الإبلاغ والتنبؤ بالتوجهات بعيدة المدى. إنها تحاول أن تفهم سواء ما إذا كان أي شيء يعمل داخل نظام اللعبة، وتحاول أن ''تتأكد من أنها في حالة توازن''، كما يقول : ''إننا نراقب ما ندعوه ناتج المستخدم الإجمالي (الذي يماثل الناتج المحلي الإجمالي في الحياة الحقيقية)، العرض النقدي والتضخم''.
يانيس فاروفاكيس الذي كان يعمل مستشاراً سابقاً لرئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو والذي كان يسعى الجميع لمعرفة رأيه خلال الأزمة المالية، يؤدي دوراً مماثلاً في شركة ألعاب مقرها الولايات المتحدة، تدعى ''فالف''. لقد تم تعيينه خبيرا اقتصاديا من محل إقامته لتطبيق خبرته على مشاكل منطقة اليورو على مشاكل مشابهة داخل الاقتصاديات الافتراضية للشركة.
ويقول: ''تخيل أنك سمحت لأعضاء من مجتمع واحد أن يتاجروا في أصولهم مع أعضاء من مجتمعات أخرى أو عبر اللعبة. فجأة تظهر أسعار الصرف عبر الاقتصادات المختلفة، وبهذا يحدث نوع ما من ميزان المدفوعات. هل علينا أن نغير معدل الصرف هذا خلال هذه المجموعة من الاقتصادات، على شاكلة منطقة اليورو؟ هل علينا أن نقلق من الاختلال في الإنترنت الذي يتطور داخل مثل وحدة العملة هذه؟''. أثيرت أسئلة حول أسعار الصرف والعجز التجاري من شركة ''فالف''، حينما أنشأت برنامجاً تجارياً للمشاركين لشراء وتداول الألعاب والأصول داخل برنامج اللعب الخاص بها الذي يدعى ''ستيم''.
''فجأة أصبحت منطقة اليورو مصدرا ذا صلة بالتنبؤات نظراً لتاريخها المؤسف، كونها خلقت الظروف للاختلالات المتزايدة في التوازنات في كل من الحسابات الجارية وحسابات رأس المال لدولها الأعضاء''، هذا ما يقوله فاروفاكيز.
ويواصل مؤسس ''فالف'' جابي نيويل قائلاً: '' لذا قد تكون هناك دروس لشركة فالف إذا ما أثبت برنامج ستيم أن تطويره في منطقة اليورو كمثال لاقتصادات مجتمعات ألعاب الفيديو''.
لم يعد فاروفاكيز خبيراً اقتصادياً مهنياً، فهو يعمل مع شركة فالف لتطوير لعبة تنبؤات. وهذا من شأنه أن يسمح للمستخدمين بأن يقللوا من رقم التوجهات في صناعة ألعاب الفيديو، وأن يتنبأوا أي لعبة جديدة ستكون الأكثر شهرة في المستقبل. يقول إن هذه ستكون فرصة ''لاختبار الفرضيات بأن مئات الملايين من مستخدمي الشبكة والألعاب، سيكون بإمكانهم بشكل جماعي أن يتفوقوا على بنك الاحتياطي الفيدرالي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من حيث دقة تنبؤاتهم''.
شركات الألعاب ليست وحدها التي تحاول أن تربط الاقتصادات الافتراضية بدراسة الاقتصادات الحقيقية.
إدوارد كاسترونوفا أستاذ الاتصالات في الجامعة الهندية، يربط العوالم الافتراضية ''بأطباق بيتري التي تستخدم في معامل الاختبار'' بالنسبة لخبراء الاقتصاد. حجم الاقتصادات الافتراضية – هناك 450 ألف لاعب في إيف أونلاين، ويوفر برنامج ستيم من شركة فالف ألعابا لـ50 مليونا – ما يعني أن ثروة من البيانات يتم إنتاجها.
طبقاً لفاروفاكيز، فإن هذه البيانات لها ميزة إضافية كونها دائماً مفصلة وشاملة أكثر من إحصاءات اقتصاد العالم الحقيقي.
ويقول: ''في الاقتصادات (النظيرة)، فإن سجل الأسعار (التي نستخدمها لتقدير معدل التضخم) دائماً ما تكون غير مكتملة وقديمة ببضعة أسابيع أو حتى شهور. في الاقتصادات الرقمية لدينا بيانات آنية بشأن كافة الصفقات التي تحدث وكافة الأسعار وكافة الكميات – إنه حلم أصبح حقيقة لخبراء الاقتصاد''. يعتقد كاسترونوفا أن هذه الروابط سوف تتعمق أكثر. ويضيف: ''بعد جيل سيكون لدينا العديد من الأساتذة الذين يديرون ألعاباً صغيرة للتعلم عن السياسات الضريبية، وأسواق العمل والتجارة العالمية. أشياء من قبيل الاقتصاد السلوكي وتأثيرات السمعة وقدرة الناس على حرمان الإشباع، هناك سوف تجد السياسة''.
فيلي ليدونفيرتا، الباحث في مختبر الإبداع المشترك الابتكاري للاقتصاد في كلية لندن يقول إن العوالم الافتراضية تقارن بشدة بالشركات التي تدرس المستهلكين في بيئات التسوق عبر الإنترنت. الاختلاف هو أن ''المستهلكين'' في الألعاب يلعبون في الواقع دوراً أكثر تعقيداً. ويستطرد: ''بإمكانك هنا ملاحظة الحيوية التي لا تستطيع أن تلاحظها في (آيتونز) أو أسواق أبسط على الإنترنت، يكون للمستهلك فيها دور واحد''. جوها تولفانين الذي يحضر دكتوراه في جامعة برينكتون لديه طريقة يستخدم بها البيانات من ''إيف أونلاين'' وهي دراسة كيف يتم استخدام التأمين. اللاعبون داخل اللعبة بإمكانهم التأمين على مركبتهم الفضائية، ويحلل تولفانين ما يحدث للاعبين الذين يختارون عدم دفع تأمين إضافي.
هذه المعلومات ليست متاحة عادة في الدراسات التقليدية لتأمين السيارات في الحياة الواقعية.
وعلى العكس، ففي ألعاب الفيديو يوجد سجل شامل لسلوك اللاعب بإمكانه إعطاء بعض الإشارات حول مدى المخاطرة التي يمثلونها، في حين أن شركة تأمين سيارات لا تعرف بالضرورة مدى خطورة الشخص، حينما يحضر للمرة الأولى لشراء تأمين.
يقول ليدونفيرتا إن مثل هذه الدراسات ستكون قابلة للتطبيق في الحياة الواقعية، حيث إنها تكشف عن توجهات سلوكية. ''هناك تشابه بين الحصول على تأمين لمركبة فضائية أو سيارة. فالنظرية الأساسية تكون سيان'' على حد قوله.
بل ويذهب إلى أبعد من ذلك قليلاً، مقترحاً أن التمييز بين الحقيقة والافتراض لم يعد ضرورياً: ''قد يكون هناك اقتصاد داخلي داخل شركة ما، وسوق وظائف داخلية وأسواق موارد داخلية وبنفس الطريقة فإن بيئات اللعبة هذه تمثل هذه الاقتصادات الصغيرة. لذا بإمكاننا أن نتعلم من اقتصادات الألعاب التي تظهر لنا شيئاً جوهرياً حول السلوك البشري، وتستخدم هذه النتائج للنظر إلى ما يحدث في بعض الاقتصادات الأخرى''.
وذاك ما يصفه كاسترونوفا بقوله : ''ليس معنى أن الناس يتظاهرون أنهم من الأورك أو الإلف، أنهم توقفوا عن اتخاذ قرارات اقتصادية حكيمة''.
##قيمة الألعاب
الخبير الاقتصادي الآيسلندي إيجولفار جودموندسون من شركة ''سي سي بي'' يرى أن ألعاب الفيديو هي بيئة، بإمكانه فيها اختبار النظريات الاقتصادية، ويتنبأ منها بالتوجهات بعيدة المدى.
فيلي ليدونفيرتا من مختبر الإبداع المشترك الابتكاري للاقتصاد في كلية لندن، يرى أن الألعاب تُقدّم رؤى أعمق حول السلوك، أكثر من مواقع التسوق على الإنترنت، لأن الأشخاص يتصرّفون أكثر من كونهم مستهلكين.
يانيس فاروفكيز من شركة فالف الخبير الاقتصادي اليوناني، عيّنته الشركة الأمريكية لخبرته في أزمة منطقة اليورو، والتي من خلالها يستطيع أن يعطي دروساً لشركات الألعاب.
قال: ''سيكون لدينا العديد من الأساتذة الذين يديرون ألعاباً صغيرة للتعلم عن السياسات الضريبية، وأسواق العمل والتجارة العالمية''.

