إحصائية رسمية تنشرها وزارة العدل عن عدد قضايا العضل في المحاكم وفي جميع مناطق المملكة، بلغت منذ بداية العام الهجري الحالي 103 قضايا، وهو رقم قابل للزيادة، فالعام الهجري لا يزال في بدايته، وبالمعدل فإنه سيكون لكل شهر ما يقارب 33 قضية، وبنهاية العام ستكون أمام المحاكم ما لا يقل عن 400 قضية عضل، وهو رقم يفوق ما تم تسجيله في قضايا العضل في جميع محاكم المملكة خلال السنوات الماضية، التي بلغت إجمالا 373 قضية، في دلالة واضحة على أن معاناة الفتيات من سوء تصرف الأولياء لا يحلها سوى اللجوء إلى القضاء.
والعضل هو رفض الولي تزويج من له الولاية عليها، أما لماذا تزايدت قضايا العضل أمام المحاكم؟ فمن المؤكد أن هناك سلبية تامة في موقف الأقارب الذين يعلمون عن قرب أن هناك فتاة تعاني وتتعرض للعضل دون سبب شرعي مقبول ويقفون مكتوفي الأيدي، في حين أنهم الأقرب إلى التدخل العائلي وفي نطاق الأسرة، بعيدا عن عرض تفاصيل المعاناة أمام القضاء، مع ما يصاحب ذلك من تحولها إلى حديث في المجالس وتأثيرها في سمعة الأسرة وأفرادها، فضلا عن تداول تلك الأسباب التي يراها الولي مانعا من زواج ابنته أو أخته، وهي في الغالب مادية تتعلق بالإرث أو بدخلها الشهري أو نصيبها في ممتلكات مشتركة أو نحو ذلك، مما يؤول إلى الطمع في المال.
إن تزايد قضايا العضل يفتح المجال للحديث عن مدى تحولها إلى ظاهرة اجتماعية وأسرية، في ظل نقد شديد لعدم وجود تنظيم يحمي من العنف الأسري، بل إن إقفال كل الأبواب أمام الفتيات في حال العضل وبقاء باب واحد مفتوحا وهو القضاء، يعني أن هناك من يفضلن تحمل المعاناة على اللجوء إلى القضاء، وما يؤدي إليه من خصومة داخل الأسرة الواحدة، فالمدعية ستكون الفتاة وسيكون وليها الأب أو الأخ هو المدعى عليه، ما يولد انقساما أسريا وعداوة ظاهرة بين من يعيشون تحت سقف واحد ويربطهم علاقة غير قابلة للانفصال، وهي مبررات لكثير من الفتيات في تفضيل عدم تصعيد الخلاف مع وليها، والمطالبة بحقها في الزواج وبناء أسرتها والاستقلال بمالها.
إن عدد حالات العضل أكثر مما تكشف عنه إحصائية وزارة العدل، فالوزارة تفصح عن عدد من تقدمن بقضايا ضد أوليائهن في قضايا مسجلة، أما ما تخفيه أسوار المنازل وصدور الفتيات وطمع الأولياء، فإنه أكثر من ذلك بكثير، ما يفرض أن تفتح قنوات ذات صبغة إلزامية للأولياء العاضلين، مع رفع الحرج عن الفتيات وعدم اضطرارهن إلى اللجوء للقضاء، وليكن أمام كل فتاة تعاني العضل أن تلجأ إلى جمعية حقوق الإنسان، باعتبار معاناتها إهدارا لحقها في الزواج والاستقلال المالي والأسري، ونوعا من العنف ضدها لا يبرره الشرع ولا القانون، ولا عادات المجتمع وتقاليده.
وهي دعوة لكل قريب وقريبة لفتاة تعاني العضل أن يتدخلوا لمصلحتها، بل هو واجب شرعي، لأن فيه أمرا بمعروف ونهيا عن منكر .. وأي معروف أكثر من نصرة فتاة مظلومة طمع وليها في مالها واعتبرها مصدرا يعتمد عليه، ورأى في زواجها حرمانا له من حق مكتسب، في حين أن الولي له ولاية التزويج فقط، وهي غير قابلة للمقايضة بمقابل مادي حالي أو مستقبلي، كما أنها ليست ولاية على المال، فالمرأة لها حق التصرف في مالها دون استئذان ولي أمرها. وكم نحن في حاجة إلى تصحيح كثير من مفاهيمنا حول حقوق النساء، وقد اختلطت فيها مصلحة الأولياء العاضلين بأفكار تنسب إلى تقاليد المجتمع، الدين والمجتمع بريئان منها.
