الأحد, 20 سبتمبر 2026|7 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يحدد حسن مالك، معالم رؤية الإسلاميين للازدهار الاقتصادي في مصر، التي ترتكز كلها إلى الاستثمار المسؤول والأخلاقي.

بحديثه أخيراً للمستثمرين، تكلم رئيس رابطة الأعمال المصرية التي يدعمها الإسلاميون الجدد، والشخصية البارزة في جماعة الإخوان المسلمين، عن أنموذج تطوير اقتصادي تكون فيه المصلحة الشخصية مساوية للمصلحة الوطنية، والتطور الاجتماعي أولوية، ورجال الأعمال ملتزمون بمدونة لقواعد السلوك، يدعوها ''رأسمالية مع اهتمام بالفقراء''.

إنه وعد متكرر من الإسلاميين في منطقة الشرق الأوسط، الذين كانت أحزابهم المستفيد الرئيسي من انهيار الديكتاتورية على مر العامين الماضيين من الاضطراب.

مع ذلك، فمن أجل كافة الوعود بالإصلاح على الإسلاميين في الدولتين – في مصر وتونس – اللتين تولوا فيهما السلطة الآن، أن يثبتوا أن بإمكانهم تحقيقها. لقد اكتشفوا أن الحكم أكثر تعقيداً من مقاومة الاستبداد، وليس أقلها حينما يتعلق الأمر بالاقتصاد. النظريات المتعلقة بما يستطيع الإسلام تقديمه في المجال الاقتصادي، اتضح أنها محدودة من الناحية العملية نوعاً ما.

المقاومة من أجل التمسك بالمكاسب السياسية والصراع المنغمس في السلطة، سمحت بتضاؤل الثقة بالإسلاميين. عديد من التظلمات التي أشعلت غضبا شعبيا ظلت مستمرة، إن لم تكن ساءت أكثر. الفقراء يزدادون فقراً، مجتمع الأعمال محبط، والاستثمار الأجنبي الذي توجد حاجة ماسة له يظل بعيداً.

في بعض الحالات أثار الإسلاميون القلق نظراً لهجرة الكفاءات بين المهنيين الذين يتخوفون من مذهبهم الفكري. وعلاوة على ذلك بالإشارة إلى القيود على أشياء من قبيل استهلاك الكحول، فإنهم أدخلوا الشك في القطاع السياحي الذي تضرر بشدة خلال الاضطرابات الثورية.

بعد عامين على الثورة المصرية يكافح الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد مرسي للدفاع عن العملة، التي فقدت أكثر من 8 في المائة من قيمتها أمام الدولار منذ كانون الأول (ديسمبر)، وهبط الاحتياطي الأجنبي تحت الحد الأدنى الحرج، المقدر بقيمة ثلاثة أشهر من الواردات، كما يعيق كل من تكرار العنف وسوء الحالة الأمنية الاستثمارات الجديدة. في تونس التي أدير فيها الانتقال السياسي على نحو أفضل نسبياً، لكن ليس بدون أزمات سياسية متكررة (كانت آخرها الأسبوع الماضي باغتيال سياسي بارز)، ما زال الشباب العاطل الذي كان القوى الدافعة خلف الثورة، غاضبين ويصبون جام غضبهم الآن على الحكومة.

الفشل في مكافحة البطالة – مصدر عدم الرضا الخبيث في كلتا الدولتين – كبير للغاية. طبقاً لبعض التقديرات، نحو ربع المصريين في الفئة العمرية ما بين 18 إلى 29 سنة عاطلون عن العمل. البطالة في تونس أكثر مما كانت قبل ثورة 2011، ويقول المسؤولون إنه في الأقاليم الفقيرة التي كانت أول من ثارت ضد النظام نحو 50 في المائة من المتخرجين الجامعيين الشباب بلا عمل.

في المغرب فقط، التي تحكم فيها الحكومة الإسلامية إلى جانب الملك محمد، بعد تغيرات دستورية منعت الاحتجاجات من أن تتحول إلى ثورة كاملة، كان الاقتصاد على مسار أكثر استقراراً. مع أن النمو الاقتصادي تباطأ العام الماضي، حيث انخفض الإنتاج الزراعي بسبب الجفاف وتراجعت الصادرات إلى أوروبا، وقد أشيد بالحكومة كونها استطاعت أن تدفع بالإصلاحات الاقتصادية إلى الأمام.

يقول طارق عثمان الخبير الاقتصادي والسياسي المصري: ''القطاعات المعقدة من الإسلام السياسي طورت تفكيرها على مدار العقد الماضي، ليس في المواضيع السياسية وحسب، لكن أيضاً في الأمور السياسية والاقتصادية. وهذا يعني أنهم كانوا يستكشفون رؤى جديدة ودراسات حالة لمشكلات مثل العجز الاقتصادي المزمن والتنافسية الوطنية وخطط التطوير الكلية. لكن المشكلات الموجودة والتفكير تبقى فقط أنه – لا يوجد أي لاعب إسلام سياسي عربي لديه خبرة حقيقية في التخطيط أو القيادة أو تنفيذ انتقال اقتصادي سياسي كلي أو إصلاحات هيكلية''.

وكونهم يعتبرون أن الإسلام هو طريق للحياة ومن ثم إجابة على المعضلات الاقتصادية وأيضاً الاجتماعية والسياسية، درس العلماء المسلمون القرآن وأحاديث الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - لبناء نظام يبني أرضية مشتركة بين الرأسمالية والاشتراكية.

وفي حين أن الفقه الإسلامي يدعم المشاريع الخاصة، تشتمل أفكار الإسلاميين الاقتصادية أيضاً على ضرائب دينية (الزكاة) كطريقة لتوزيع الدخل، وتحريم للاستثمار في شركات يوجد فيها مقامرة وكحول، وربما الأكثر أهمية تطوير المخططات المالية لتقاسم الأرباح في التجارة والتأمين والصناعة المصرفية.

حققت الصناعة المصرفية الإسلامية بالفعل تقدماً مهماً في الشرق الأوسط وما وراءه، ويقول الخبراء إن الأصول التي تتفق مع الشريعة الإسلامية ارتفعت فوق تريليون دولار. لكن القطاع شهد انتقادات أيضاً لأنه لا يفعل سوى أن يعكس منتجات تقليدية ويدعو الفائدة باسم آخر.

وإلى اليوم، أدارت كل من تونس ومصر أنظمة مصرفية تقليدية، لكن المسؤولين الحكوميين يتناقشون الآن دوراً أكبر للمالية الإسلامية كطريق لتنويع الصكوك الإسلامية، لا تختلف عن تلك الموجودة في دول الخليج. لا يوجد أحد يتصور حدوث تعديل في الصناعة المصرفية قد يؤدي إلى خلل في الاقتصاد. يقول مالك: ''الفكرة هي خلق صكوك جديدة، وليس استبدال الصكوك الموجودة بالفعل. على أي مسؤول أن يتعامل مع ما يحدث. لن نقوم بتجريب الأشياء''. على مدار العامين الماضيين روجت جماعة الإخوان المسلمين خطة تدعى مشروع النهضة، لكنها أصبحت مصدرا لنكات متكررة في القاهرة، ومعظمها لا يختلف عما سعت الأنظمة السابقة إلى فعله، بما في ذلك دعم مشاريع صغيرة ومتوسطة وإعادة هيكلة الدعم.

يقول المسؤولون التونسيون إنه لا يوجد شيء إسلامي على وجه الخصوص فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية للحكومة التي يرأسها حزب النهضة. ''إنهم ليبراليون، مع القليل من اللهجة الإسلامية فيما يتعلق بالمالية''، هذا ما يقوله إلياس فخفاخ، وزير المالية التونسي السابق، الذي جاء من حزب علماني كان متحالفاً مع حزب النهضة ''من الجيد أن تعرض منتجاً جديداً، لكني لا أعتقد أنه سيغير جذرياً من الاقتصاد التونسي''.

يقول الاختصاصيون إنه إذا ما توطدت سلطتهم، سيكون الإسلاميون حريصين أكثر على شبكات الأمان الاجتماعي، وقد يثبتون كفاءة أكبر على هذا الصعيد، نظراً لخبرتهم الطويلة في توفير القاعدة الشعبية من الخدمات الاجتماعية. لكن يجب أن يوضع هذا قيد الاختبار.

أما الآن، يستخدم الإسلاميون الميزانية التي تحت ضغط كبير بالفعل، لزيادة المرتبات الحكومية وإعادة توجيه الإنفاق إلى مناطق محرومة أكثر.

إبراهيم سيف، الباحث في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، كان يدرس أداء الأحزاب الإسلامية. ''منابر الأحزاب الإسلامية كانت تروج، لأنها ستقدم مزيدا من الشفافية والفساد الأقل وسترسخ القيم والأخلاق، وهي ليست سياسات إسلامية حقيقية ستبدل من هيكل الاقتصاديات. حينما تولوا السلطة في مصر وتونس، لم يأتوا باستراتيجيات اقتصادية جديدة فيما يتعلق بالضرائب والخصخصة، إنهم فقط يستخدمون الأدوات نفسها''. يقول إن كلتا الدولتين تسعيان للحصول على الدعم من صندوق النقد الدولي.

يقدم الإسلاميون تفكيراً جديداً أقل، وأداؤهم كان مخيباً أيضاً نظراً لانعدام الخبرة. الأسئلة تلح حول ما إذا كانت الجماعات الإسلامية التي أمضى قادتها سنوات عدة في السجون، تمتلك الكوادر القادرة على إدارة المؤسسات الحكومية. هذا بدوره يسهم في حالة الغموض التي تخيف المستثمرين.

سياسات مرسي كانت شاردة. أفزع الرئيس أسواق العملة في كانون الأول (ديسمبر)، حينما أصدر وألغى حينها في خلال 24 ساعة ضرائب جديدة. وقد واجهته أزمات سياسية بشأن الدستور في ذاك الشهر نفسه، كما أجل أيضاً إتمام صفقة مع صندوق النقد الدولي بخصوص قرض قدره 4.8 مليار دولار.

يمزح أحد الاقتصاديين الغربيين قائلاً: ''يبدو أنهم في مصر يعتقدون أن عليك أن تقوم بالسياسة أولاً ومن ثم الاقتصاد''.

في كانون الثاني (يناير) أقال مرسي وزير المالية. ومما أدهش السوق أنه جاء بأستاذ للمالية الإسلامية ليس لديه خبرة حكومية.

يقول أنجوس بلير مدير مؤسسة سيجنيت إنستيتيوت البحثية التي مقرها القاهرة: ''إنها نوعية الأشخاص المشاركين وصناعة القرارات التي كان من الممكن أن تكون أفضل، إنها الإجراءات والافتقار إلى الإبداع (التي يجب أن نلقي عليها اللوم)، الحكومة كانت تضيف إلى المشكلة، لأنهم لم يجدوا سبيلاً لتشجيع الثقة''.

في حين أن مرسي لم يعين كثيرا من أفراد جماعة الإخوان المسلمين في الحكومة، فلدى حزب النهضة عديد من الوزراء في الحكومة التي تتشارك مع حزبين ليبراليين صغيرين. بعض الوزراء كانوا في مجلس الوزراء نظراً لإسهامهم في حزب النهضة، بغض النظر عن خبراتهم. الأسبوع الماضي فقط حينما ووجه رئيس الوزراء باضطراب أعقب اغتيالاً سياسياً وعد بتعيين حكومة كفاءات جديدة ذات خبرة فنية.

تقول ووداد بوشاماوي، رئيسة اتحاد الصناعة والتجارة التونسي: ''هذه الحكومة قد تكون أمينة، لكنها ليست كفؤة. الاقتصاد ليس أولويتهم. الديمقراطية شيء جيد. لكن ما حاجتنا إليها إذا لم يستطع الناس أن يجدوا أقواتهم؟''

الخبرة المحدودة للمسؤولين الكبار تتفاقم مع ضعف تحكم الحكومات الجديدة في البيروقراطية. يشك الإسلاميون في أن الموالين للنظام السابق في الإدارة يحاولون أن يخربوا مجهودهم في استعادة الاستقرار الاقتصادي. لكن محاولة التطهير في تونس استثارت موجة من الانتقاد من النقاد الليبراليين للحكومة، الذين يقولون إن الإسلاميين عازمون على التحكم في كافة مقاليد الدولة.

عديد من القضايا بشأن فساد مزعوم تشمل رجال أعمال مرتبطين بأنظمة سابقة لم يتم حلها أيضاً في تونس ومصر، ما أثر في الشعور بين المستثمرين الذين يرون أن انعدام الشرعية مخاطرة كبيرة.

حتى أكفأ حكومة في مصر أو تونس كانت لتصبح تحت ضغط كبير لتلبية المطالب الشعبية، على الأخص في وقت يعبر فيه الناس عن التمكين الجديد الذي حصلوا عليه عبر المظاهرات في الشوارع والإضرابات. يصر فخفاخ على أن حكومته لم تكن تعامل بعدل، وأن عديدا من الوظائف تم توفيرها. ويقول معلقا: ''لكن الناس يرون أنه خلال عامين لم يتغير شيء، لم نكن قادرين على كسب ثقتهم وأن نقنعهم بأن هذا التغيير قادم''.

وحيث إن المجتمع انقسم على أساس مذاهب فكرية، وتنافس الإسلاميون والليبراليون على السلطة، واجهت الحكومة أزمات سياسية مستمرة دوماً تقريباً. الافتقار إلى التوافق السياسي، وتأثيره في الاقتصاد، سيكلف الإسلاميين حينما يصوت الناس مرة أخرى في الانتخابات. في اقتراع لمعهد جالوب، نشر في الصيف، وجد أن المصريين قالوا لإن الوظائف كانت الموضوع الأساسي الذي يجب على حكومتهم أن تعالجه.

يقول سيف: ''ما أراده الناس من الثورة هو محاربة الفساد، وتشجيع فرص متساوية وخلق وظائف، لكن المراحل الانتقالية هيمنت عليها السياسات والاستقطاب بدلاً من خلق توافق شامل حول كيفية دفع الاقتصاد قدماً إلى الأمام''. ويضيف: ''الآن تزداد المشكلات الاقتصادية سوءاً''.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية