إذا كان رأس المال يتطلب الأمن والأمان، فإنه يتطلب في الوقت نفسه الحرية، في البيئة الحاضنة له، أو في تلك المنتظرة لقدومه. رؤوس الأموال التي تحتاج إلى قوانين صارمة تحميها، وتوفر لها الضمانات المطلوبة، تحتاج في المقابل أيضاً إلى مرونة في الاختيار والتحرُّك، وفي تقرير مصيرها من أولئك الذين يتحكمون فيها. فلا يقلل من ''جبن'' رأس المال بشكل عام، إلا الحركة المتحررة والقوانين الحافظة لها. لأن هذه الحركة من دون القوانين، تُقرّب رأس المال إلى ناحية الفوضى أو الغبن أو حتى الفساد. وعلى هذا الأساس، تصدر التشريعات في كل البلدان التي أثبتت نجاحها في توفير البيئة الملائمة ليس لرأس المال المحلي الخاص، بل أيضاً لرؤوس الأموال الأجنبية الباحثة عن ملاذات آمنة منتجة متحرّرة لاستثمارها.
وصلت دول الخليج العربية إلى المرحلة المحورية في تنويع مصادر الدخل، بمن فيها تلك التي لا تزال تعتمد بصورة أكثر من كبيرة، على النفط كمصدر للدخل الوطني. ودخلت هذه الاستراتيجية في صلب الرؤى الاقتصادية لهذه البلدان. فلا يمكن الاستمرار في نهج اقتصادي تقليدي، في زمن بات التغيير ''قطاعاً'' ـــ إن لم يكن وقوداً ـــ لحراك الاقتصاد المتجدّد، نحو التنمية المستدامة. وهذا يتطلب كمية كبيرة من التشريعات الجديدة أو المعدلة، عبر رؤية تشريعية لا تقل (من حيث قيمتها) عن القيمة التي تمثلها الرؤية الاقتصادية الشاملة نفسها. فلا يمكن أن تكون الرؤى الموضوعة في دول الخليج والتي يتراوح زمن تنفيذها ما بين عامي 2020 و2030 مرنة التنفيذ وجامدة التشريع، أو في أحسن الأحوال بطيئة فيه، خصوصاً في ظل وجود ترابط قانوني وتشريعي وأمني وإجرائي واضح بين دول مجلس التعاون على وجه الخصوص، بصرف النظر عن التشابه الإنتاجي في المجال الاقتصادي.
من هنا، يأتي مقترح اتحاد الغرف الخليجية، الذي رُفع إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون، بتوحيد تأشيرات رجال الأعمال والسياح، في وقته، كما أنه يتماشى مع كل رؤية اقتصادية محددة، وُضعت في هذا البلد أو ذاك. ولأن المقترح حدد الجهات التي يمكن أن تنتفع من قانون جديد يستند إليه، فإنه أزال تلقائياً أي مخاوف قد تظهر هنا وهناك، بما في ذلك المخاوف الأمنية. بينما ستحظى دول المنطقة بفوائد جمّة على الصعيد الاقتصادي، وفي مقدمتها، قدرة رجال الأعمال على التحرُّك بحرية في هذه الدول، ضمن القوانين المحلية فيها، وهذا يوفر فرصاً استثمارية تدخل مباشرة في صلب المخططات الاقتصادية الموضوعة أو تلك التي تنتظر الوقت المناسب لوضعها. فعلى سبيل المثال، يعترف البريطانيون والإيرلنديون بأنهم يخسرون من جرّاء قرار حكوماتهم بعدم الانضمام إلى اتفاقية ''شنجن''، التي ضمت 15 دولة أوروبية أخرى، بتأشيرة واحدة. علماً بأن الفارق بين هذه الاتفاقية، ومقترح اتحاد الغرف الخليجية، أن هذا الأخير لا ينصح بتأشيرة واحدة لكل الشرائح التي تسعى إليها، وخصّها برجال الأعمال والسياح.
وهناك حالياً تجربة فيها من روح المقترح تضم كلاً من قطر وعُمان ودبي، أثبتت نجاحاً كبيراً، دون مشكلات أو منغصات أو مخاوف، أيًّا كانت طبيعتها. فمع وجود الضامن الأمني العام بين دول المجلس، بأدواته المتطورة، لا مخاوف تذكر في هذا المجال. إن تحويل المقترح المذكور لقانون أو تشريع جديد، سيؤدي حتماً إلى ارتفاع وتيرة جذب رؤوس الأموال نحو دول المجلس، وسيمهّد الطريق إلى التعاطي مع المنطقة بحماس اقتصادي مطلوب.. فضلاً عن أنه سيعزز قطاع السياحة الذي لم يعد هامشياً، كما كان قبل عشر سنوات، خصوصاً إذا ما عرفنا أن الإنفاق المتوقع في دول الخليج العربية على القطاع السياحي سيصل إلى حدود 380 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2018.
