انطلقت فكرة اجتماع الدول الإسلامية في مؤتمر إسلامي على وقع حريق المسجد الأقصى في القدس في أيلول (سبتمبر) 1969، وهو الحريق الذي أوقد شعلة الفكرة لدى زعامات إسلامية رأت في اجتماع السياسيين تحت مظلة الدين الإسلامي تعويضا عن فشل ذريع لحق بالمشروع القومي الذي كان من نتائجه نكسة حزيران (يونيو) 1967، وما تلا ذلك من تمادي المشروع التوسعي للدولة العبرية في مقابل توسع الخطاب التعبوي عند العرب المنطلق من شعارات قومية وبعثية.
أسهم الملك فيصل بن عبد العزيز بقوة في إطلاق المشروع الإسلامي الوليد، ولم يمض وقت طويل حتى كانت الفكرة في اجتماع قادة الدول الإسلامية قيد التنفيذ لتحتضن المغرب أول قمم "المؤتمر الإسلامي" ، إذ أسست العاصمة المغربية الرباط لأول اجتماع من نوعه يجمع رؤساء الدول الإسلامية بحضور 25 دولة كانت هي الدول المؤسسة للمنظمة قبل اكتمال عقد الدول المنتظمة البالغة 57 دولة، إضافة إلى حضور دول أخرى كمراقبين مثل تايلاند والبوسنة والهرسك وروسيا الاتحادية، فيما كان لافتا لهذه المنظمة الوليدة رفض طلب الانضمام إليها من دول كبيرة مثل الهند والفلبين.
بدت الطموحات كبيرة لمنظمة تولد من رحم المتاعب التي مرت بالمنطقة في أواخر ستينيات القرن الماضي وتتخذ شكلا جديدا يسير بعكس اتجاه المرحلة السائدة آنذاك، حيث طغت التيارات اليسارية والعلمانية والقومية على مساحات الفعل والتفكير آنذاك، لكن منظمة المؤتمر الإسلامي التي تحولت أخيرا إلى منظمة التعاون الإسلامي وهي المنظمة التي اتخذت من جدة عاصمة لأمانتها العامة على أن يكون اختيارها القادم والمستقر هو القدس الشريف لتكون عاصمة للعمل الإسلامي المشترك.
تقلصت الطموحات عند العرب والمسلمين بمنظمتيهم العتيدتين الجامعة العربية والتعاون الإسلامية لتتحول في جلها إلى طموحات تنسجم مع الواقع العالمي الجديد في أعقاب انهيار المعسكر الشرقي الذي خلق توازنا عالميا في مرحلة ما قبل التسعينات من القرن الماضي، لكن الأمم المنضوية تحت المظلة الإسلامية لا تلوم التوازنات الدولية فقط في مسألة انحسار الأحلام والطموحات في المنطقة، إذ إن الأسباب الداخلية والأمراض التي دبت في جسم العمل العربي والإسلامي المشترك كانت وفقا للمؤرخين تراوح مكانها وتضرب بمزيد من القوة الطموحات الأولى لتقلصها في طموحات صغيرة جديدة تحاول فقط من خلالها العودة إلى نقطة الصفر.
توزعت الدول الإسلامية حيال العمل الإسلامي المشترك وفق المراقبين إلى اتجاهين؛ اتجاه يحاول الذهاب إلى سقف الطموحات المرسومة بهدوء وتروٍ وفق حساب المنطق والواقع المتاح، وأخرى بدت مستعجلة في تحقيق طموحات كلية أو جزئية فخسرت وورطت الأمة وأخرت ركابها، وبدا هذا المشهد واضحا بشكل جلي حين اندلعت بعد عشرة أعوام فقط من تأسيس المنظمة الإسلامية حرب طويلة طاحنة بين دولتين من كبرى الدول المؤسسة للمنظمة هما إيران والعراق قبل أن يقدم الأخير على غزو الكويت لتصبح المؤتمرات اللاحقة مؤتمرات تحاول احتواء النتائج الكارثية التي سببتها هاتان الأزمتان.
وبدت السعودية التي تحتضن مقر الأمانة وأغلب مؤسسات العمل الإسلامي المشترك كبنك التنمية الإسلامي كمن يغرد وحيدا في سبيل انتعاش حقيقي لعمل المنظمة ودعم أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية بشكل خاص تلك التي لا تحتاج إلى اتفاق يشبه المعجزة يحصل غالبا في العمل السياسي المشترك إزاء القضايا الراهنة.
وشاركت الرياض واحتضنت قمم إسلامية عدة كانت أكثرها قمم طارئة لمواجهة تداعيات أزمة تجتاح طرفا من الأمة العربية فتتداعى له العاصمة المقدسة غالبا مكة المكرمة بجمع الأطراف الإسلامية لمحاولة احتوائها ومعالجتها، وكان الملك خالد بن عبد العزيز - رحمه الله - قد دعا إلى قمة إسلامية في مكة في مطلع الثمانينات الميلادية من القرن الماضي، فيما حضر الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - قمة الدار البيضاء في 1994 في المغرب.
وشهد العهد السعودي الراهن اهتماما أوسع بالعمل الإسلامي المشترك، إذ دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بعد فترة قصيرة من مبايعته ملكا على البلاد إلى قمة إسلامية في مكة المكرمة في 2005، وهو الأمر الذي تكرر بصفة طارئة في أعقاب تفجر الأزمة السورية ليحظى الزعماء المسلمون بشرف الزمان والمكان في ليلة رمضانية مميزة بجوار المسجد الحرام ليحاولوا بذل ما يستطيعون لاتفاق ما يعجل بنهاية الأزمة السورية لتنتهي القمة بتعليق عضوية سورية في المنظمة.
وأكمل حضور الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد المشهد السعودي ليكرس عبر إلقائه كلمة الملك في مؤتمر القاهرة المواقف السعودية من القضايا الإسلامية وتبوؤها ريادة العمل الإسلامي المشترك من خلال حث الدول الإسلامية لتبني قرار دولي يحض على احترام المقدسات الدينية والرموز الثقافية لاحتواء ظاهرة الإسلام فوبيا، وهو الأمر الذي دعا إليه الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام للمنظمة في اجتماعات دولية عدة منطلقا من المبادرة السعودية كعضو فاعل داعم بقوة للطموحات الكبيرة والأصيلة للمنظمة.
