الاثنين, 14 سبتمبر 2026|1 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

الأفلام المهزوزة، بالأبيض والأسود، لرجال "يصعدون للقمة" أثناء الحرب العالمية الأولى، تجسد أحداثًا بعيدة يبدو تكرارها مستحيلاً. ومع ذلك، فكرة أن القوى العظمى في عصرنا الحالي لا يمكن أن تنزلق إلى حرب قط، مثلما فعلت في 1914، بعيدة إلى حد لا يجعل المرء يشعر بالاطمئنان والرضا؛ فالتوتر المتصاعد بين الصين من جهة واليابان والولايات المتحدة من جهة أخرى يردد صدى نزاع رهيب اندلع قبل قرن تقريبًا.

الشرارة المحتملة الأكثر وضوحًا هي النزاع الإقليمي بين الصين واليابان حول الجزر المعروفة للصينيين باسم دايويو، ولليابانيين باسم وسينكاكو. وفي الأشهر الأخيرة كانت طائرات الدولتين تتناوش بالقرب منها. وأرسلت الولايات المتحدة، التي أحست بالقلق، بعثتين عاليتي المستوى إلى بكين وطوكيو في أواخر تشرين الأول (أكتوبر)، تتألفان من أربعة أعضاء رئيسين من مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية، من بينهم ستيفين هادلي، الذي أدار مجلس الأمن الوطني في عهد جورج دابليو بوش، وجيمس ستينبيرج، الذي كان الرجل الثاني، بعد هيلاري كلينتون، في وزارة الخارجية.

أوضح الوفد الأمريكي، المؤلف من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، أن الهجوم الصيني على الجزر سيحرك الضمانات الأمنية التي تعهدت بها أمريكا لليابان. والخطر الواضح هو أنه كما في عام 1914، يمكن أن تثير حادثة صغيرة المجتمعات المتحالفة، ما يقود إلى حرب أوسع.

وكانت المجموعة الأمريكية على وعي كبير بالمخاطر. وقال جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة هارفارد، الذي كان ضمن البعثة الرباعية: "ناقشنا التشابه الجزئي بين عام 1914 والآن. ولا أعتقد أن أيًّا من الأطراف في حاجة إلى الحرب، لكننا حذرنا كلا الجانبين من سوء التواصل والحوادث". وأضاف: "الردع عادة ما يجدي بين الجهات الفاعلة المتعقلة، لكن اللاعبين الرئيسين في عام 1914 كانوا أيضًا جهات فاعلة ومتعقلة".

جاراهام أليسون، زميل ناي في هارفارد والذي كتب دراسة عن أزمة الصواريخ الكوبية، هو الآخر يرى أن هناك خطرًا من اندلاع حرب جراء سوء التقدير. ويقول: "الآلية في عام 1914 مفيدة. من كان يتخيل أن قتل إرهابيين صرب لأرشيدوق لم يسمع عنه أحد يمكن أن يشعل حربًا عظمى، بسببها لحق الدمار بالمتنازعين كافة". ويضيف: "رؤيتي هي أن القيادة الصينية ليس لديها نية لتحدي الجيش الأمريكي حتى الآن، لكن ماذا عن القوميين المتعصبين في الصين، أو اليابان؟".

مثل هؤلاء "المتعصبين" ربما يكونون في أدنى سلسلة القيادة. ففي أيلول (سبتمبر) 2012 أثيرت أزمة حول الجزر، حينما واجهت سفينة صيد صينية سفن حراسة يابانية. واتضح فيما بعد أن قبطان السفينة كان ثملاً.

في ذلك الوقت اتخذت الحكومة اليابانية نهجًا تصالحيًا تمامًا. لكن الولايات المتحدة قلقة كون مجلس الوزراء الياباني الجديد مليئًا بالقوميين المتعصبين، الذين يميلون أكثر إلى مواجهة الصين. ورئيس الوزراء الياباني الجديد، شينزو أبي، هو حفيد وزير سابق من وقت الحرب ويرفض "دبلوماسية الاعتذار"، التي حاولت من خلالها اليابان أن تكفر ممارساتها أثناء الحرب. والضمانات الأمنية الأمريكية معنية بطمأنة اليابان، لكن هناك أيضًا خطرًا يتمثل في احتمال إغرائها السياسيين اليابانيين بالإقدام على مجازفات غير ضرورية. ووفقًا لبعض علماء التاريخ، في عام 1914 خلصت الحكومة الألمانية إلى أنها في حاجة إلى خوض حرب في أقرب فرصة ممكنة، قبل أن تطوق بخصوم أكثر قوة. وبالمثل، بعض مراقبي اليابان قلقون من أن القوميين في الحكومة ربما يجدون إغراء في مواجهة الصين الآن، قبل أن تنمو ثغرة القوة بين البلدين إلى حد كبير، وفي وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في المحيط الهادئ. وقلق الأمريكيين بشأن دور القوميين في السياسات اليابانية متضخم؛ لأنهم يرون التوجه نفسه في الصين. فالصين الآن مثل ألمانيا قبل مائة عام، قوة صاعدة تخشى من أن القوى العظمى القائمة تنوي منع صعودها. وكان أبو الصين الحديثة، دينج زياوبينج، ينتهج سياسة خارجية مبنية على القول المأثور: "أخفِ قوتك؛ كي تؤجّل موعد سقوطك". لكن بدلاً من جيله جاءت مجموعة قيادية جديدة أكثر ثقة وحزمًا. والجيش الصيني يؤثر تصاعديًا أيضًا في تشكيل السياسة الخارجية.

ووجه الشبه مع ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى مدهش: القيادة الماهرة لأوتو فون بسمارك أفسحت الطريق أمام قيادة سياسية وعسكرية أكثر حماقة في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب. وبالمثل شعرت الصفوة الألمانية الحاكمة بأنها مهددة من ضغط ديمقراطي من الأسفل ـــ وشجعت القومية باعتبارها بديلاً لتنفيس الشعور الشعبي. واستخدم القادة الصينيون القومية لدعم شرعية الحزب الشيوعي.

إنه على الأقل أمر مشجع أن القيادة الصينية أجرت دراسة مكثفة لصعود القوى العظمى عبر العصور ــــ وهي عاقدة العزم على تجنب أخطاء كل من ألمانيا واليابان. وحقيقة أننا نعيش في عصر نووي يجعل من تكرار أزمة 1914 أمرًا أقل ترجيحًا.

وإذا ما تدهورت الأوضاع إلى حد خطير، فهناك أيضًا مساحة مرنة في معاهدة الأمن الأمريكية اليابانية. فالفقرة الخامسة من المعاهدة يعتقد بشكل عام أنها تُلزم الولايات المتحدة بأن تدافع عن حليفتها بالوسائل العسكرية. وفي الحقيقة، هي تلزم الدولتين "أن تعملا على مواجهة الخطر العام" في حالة الهجوم على اليابان. وقد يكون هذا الغموض خطرًا، إذا أغرى الصين بأن تناشد روح الحماقة الأمريكية، لكنها قد تكون مفيدة أيضًا في وقت الأزمات. في تموز (يوليو) 1914 شعر القادة لدى الأطراف كافة بأنهم عاجزون، حين كان يتم جرهم إلى حرب لم يرد معظمهم الانخراط فيها. ودراسة هذا التاريخ ربما تساعد الصينيين والأمريكيين واليابانيين على تجنب مصير مماثل في عام 2014.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية