الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

هذا المبدأ النبوي العميق تتضح أهميته وتتجلى في المحن والمواقف الصعبة، وحدها المواقف الصعبة هي التي تختبر أعصابنا وتخرج إما أحسن ما فينا وإما أسوأ ما فينا، وعبقرية الاختبار تكمن في أشد اللحظات حرجا، فلا تجتاز الاختبار الصعب بنجاح، إلا حينما تقاوم نفسك على ألا تخرج أسوأ ما فيك، ثم تأتي لحظة لذيذة غامرة حين يختار الإنسان أن يخرج أحسن ما فيه بعد صراع مقاومته للخيار الأسوأ. من هنا يأتي التمحيص، وهذه الكلمة في اللغة تستخدم للذهب على وجه الخصوص. وما بين اختيار الأسوأ والأحسن يكون الصمت هو الخيار الأمثل والحل الأجمل. هذا الصمت لطالما ظل المتحدث الرسمي الأبلغ لمواقف عديدة وكثيرة أهمها الغضب.

في حادثة غرق تبوك تحدث الكثير كما يتحدثون عادة بالنبرة نفسها في ''تويتر''، والكل قال رأيه كالعادة، لكن الغريب جدا هو تصريح الدفاع المدني الذي تم إعلانه في قناة ''العربية'' قبل أيام ردا على تغريدات الشيخ عادل الكلباني الساخرة من حادثة الغرق، قد أوصى فيها الكلباني أن يرتدي كل مواطن مايوها استعدادا لأي غرق قد يحصل فجأة في مدينته، وتصريح الدفاع المدني يحمل فحوى موجهة للشيخ الكلباني مفادها: قل خيرا أو اصمت، كدت أفرك عينيّ وأنا أسمع الخبر في قناة ''العربية'' معلنا بكل ثقة أن الدفاع المدني يرد على تغريدات الشيخ الكلباني الساخرة بأن يهتم الشيخ الكلباني بشأنه الخاص ولا يتدخل! ومن هنا أتساءل عن شرعية توجيه ضربة مرتدة للدفاع المدني: فهلا صرحتم بخير أيضا أو كان الصمت أفضل؟! كيف ينطق مثل هذا التصريح المفتقد المهنية وعلى قناة يفترض فيها المهنية؟

فإن لم يكن رد المتحدث الرسمي للدفاع المدني أكثر مهنية وتقبلا واحتواء ذكيا للنقد أيا كان، فكيف نمنح أنفسنا الحق يوما بأن نلوم الناس والعامة في لغة حوارهم في ''تويتر'' بأنها أقل مما يجب؟ إذا كان تصريح كهذا يصدر من جهة مسؤولة ويتم إعلانه بلا تردد ولا خجل، فلن أستغرب بعد اليوم انخفاض لغة الحوار في ''تويتر'' ولن ألوم شابا أو فتاة لم يبلغا الرشد حين يكتبان تصريحاتهما اليومية في ''تويتر'' حول القضايا الكبيرة دون أدنى إحساس للمسؤولية.

هل يصعب على جهة مسؤولة حساسة، مثل الدفاع المدني أن تعين متحدثا رسميا لائقا يعرف كيف يدير الأزمة بتصريحات أفضل من تلك؟ هل يصعب أن يتعلم أي مسؤول من أخطائه ويتقن عمله في عصر التقنية الذي يوفر له كل شيء يمكنه من أن يقرأ ويستفيد ويطور نفسه من تجارب الدول حتى لو كانت من الدول المجاورة وليس بالضرورة من دول متقدمة.

ما المعضلة الكبرى التي تنقص مسؤول اليوم ليقوم تماما بما يجب عليه فعله؟

غرق تبوك، ومن قبله غرق جدة، وأي كارثة ومصيبة قد تحصل، هي ''فرص'' حقيقية لنا تختبرنا جميعا من أعلى مسؤول إلى أبسط مواطن في مدى إحساسنا بالمسؤولية ومدى مقاومتنا لأسوأ ما فينا لنخرج أحسن ما فينا.

لكن أعتقد أنه لا أسوأ على الإطلاق من أن تتكرر التجربة الصعبة ونحن كما نحن لا نتغير ولا نتعلم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية