من الواضح أن قدر الأوروبيين أن تكون بريطانيا ''خارج النص'' في بعض المجالات المحورية التي تشكل الدعامات اللازمة للاتحاد الأوروبي. فعقدة الإمبراطورية البريطانية ــــ وإن أصابها الوهن الشديد في أعقاب الحرب العالمية الثانية ــــ إلا أنها حاضرة بالفعل على الساحة الأوروبية، وترتفع حدة حضورها بوجود حكومة لحزب المحافظين، الذي لا يزال يرى وهجاً ما لهذه الإمبراطورية، ولا يزال بعض من أركانه يستعذب شكلاً من أشكال ''الفوقية''، إلى درجة أن طائفة من المحافظين المتعصبين بقيت متمسكة حتى اليوم، بأن وجود بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي بحد ذاته خطأ سياسي واقتصادي، دون أن ينسى هؤلاء تحميل مسؤولية انضمام بلادهم إلى السوق الأوروبية المشتركة (وبعدها المجموعة الأوروبية فالاتحاد الأوروبي) لمن؟ لإدوارد هيث زعيم حزبهم ورئيس وزرائهم الأسبق. ويمضي هؤلاء أبعد من ذلك، عندما يطرحون مقاربة ليست واقعية، وهي ''إذا كان المحافظون هم من أدخل البلاد إلى الاتحاد الأوروبي، سيكونون هم من يخرجونها منه''!
رغم وجود هذه العقدة (بصرف النظر عن حجمها)، إلا أن هناك كثيرا من الحقائق والتحولات يجعل التعاطي مع أوروبا بشكل عام والاتحاد الأوروبي بشكل خاص، بـ ''هواجس الإمبراطورية''، أمراً يدعو إلى السخرية في كثير من الأحيان. دون أن ننسى أن الجيل الجديد من السياسيين المحافظين لم يعد يتمسك بقوة بـ ''العقدة وهواجسها''. فمصير بريطانيا.. أوروبي، سواء كان الحاكم فيها مارجريت ثاتشر أو ديفيد كاميرون. ونقول ثاتشر، لأنها كانت من أشد الحكام المحافظين عداء للاتحاد الأوروبي بكل صيغه التي سبقته، وكانت أكثرهم اعتداداً بالهيبة الإمبراطورية المفقودة أو الباهتة أو المتلاشية. وقد تجاوز عداء ثاتشر لأوروبا حتى حدود اللباقة واللياقة الدبلوماسية، عندما كانت توجه الشتائم السوقية للأوروبيين، خصوصاً في ظل وجود رئيس فرنسي قوي آنذاك كفرانسوا ميتران. وعندما أتى خليفتها المحافظ جون ميجور إلى الحكم، صب (في الواقع) اهتمامه لرأب الصدع بين بلاده وأوروبا. ورغم أنه كان من أكبر المعادين لليورو، فقد حرص على الحفاظ على الروابط مع أوروبا، ليس ''هجراً'' للمشاعر الإمبراطورية –إن جاز التعبير- ولكن حماية لمصالح بريطانيا نفسها. فهو (وغيره) يعلم أن صادرات بريطانيا (على سبيل المثال) إلى القارة الأوروبية تصل إلى 70 في المائة، وعمق بلاده الاستراتيجي لا توفره أي منطقة في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.
غير أن هذا لا يمنع من وجود ''كارهين'' تقليديين بريطانيين لأوروبا، بمن فيهم أولئك الذين يرغبون في أن تطرح الحكومة الحالية وجودها في الاتحاد الأوروبي على استفتاء عام. لكن لا يوجد رئيس وزراء عاقل، يمكنه أن يقدم على هذه الخطوة، ليس خوفاً من أن يؤدي الاستفتاء إلى الانفصال عن أوروبا، بل خشية على مكانة بريطانيا نفسها أوروبياً وعالمياً، حتى لو كانت النتائج لصالح المؤيدين البريطانيين للاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ذلك، أن الذي يحكم بريطانيا اليوم حكومة ائتلافية (غير متحالفة) بين حزب المحافظين وحزب الديمقراطيين الأحرار، وهذا الحزب الأخير من أكثر الكيانات السياسية البريطانية تأييداً لأوروبا اتحاداً وقارة. وأي خطوة باتجاه معاكس لتوجه الأحرار، سيؤدي حتماً لانفراط عقد الحكومة الهشة أصلاً.
لن تتوقف المناوشات البريطانية للاتحاد الأوروبي، لكنها لن تتحول إلى آليات واقعية وفاعلة، يمكن أن يكون لها تأثير في مصير بريطانيا في الاتحاد. والمملكة المتحدة نفسها (كما بقية الدول الأوروبية الأخرى)، لا تتمتع بقوة اقتصادية تكفل لها تغيرات دراماتيكية في العلاقة مع أوروبا. فالكل بـ ''الهم غرب''. وتبقى ''عقدة الإمبراطورية'' أكثر رمزية منها واقعية. ولكن لا مانع من بعض المنغصات البريطانية هنا وهناك، رغم أن الأجواء الأوروبية طافحة بها. إنها علاقة فيها من التاريخ الكثير، لكن فيها من الحاضر أكثر.
