عندما قتل أسامة بن لادن في شهر أيار (مايو) عام 2011، شارفت المعركة الطويلة والدامية والمثيرة للجدل على نهايتها، حيث كان تنظيم القاعدة يتحول إلى ظل لكيانه السابق. كما قتل أنور العولقي، أحد قياديي تنظيم القاعدة في اليمن، بعد فترة وجيزة في هجوم طائرة أمريكية دون طيار، ولقى قياديون آخرون حتفهم في المناطق القبلية في باكستان.
اليوم، يبدو أن تهديد الجهاديين في ازدياد مجدداً، على الرغم من أنه قد اكتسب أكثر من وجه غامض ومتعدد. كما لا يزال هناك متشددون إسلاميون في باكستان يشكلون مصدر قلق كبيرا، ليس فقط للمملكة المتحدة، التي ترى عشرات الآلاف من الرعايا البريطانيين يسافرون من وإلى باكستان كل عام. ولكن تتصدر حركات أخرى عناوين الصحف.
في شمال إفريقيا، سيطر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على مساحات واسعة من مالي ودفع إلى التدخل العسكري الفرنسي الدرامي. في سورية، تشعر الحكومات الغربية بقلق متزايد إزاء ظهور جبهة النصرة، وهي الجماعة الجهادية التي تؤكد التهديد العنيد والأكثر انضباطا لنظام بشار الأسد.
في اليمن، لا تزال قدرات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية على مهاجمة الغرب مصدر قلق بالغ للمسؤولين عن مكافحة الإرهاب، نظرا لأنه ثبت قدرته على شن هجمات على طائرات متجهة إلى الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، في الصومال وشمال نيجيريا، تنبه الجماعات الجهادية مثل ''حركة الشباب'' و''بوكو حرام'' إلى وجود خطر مع حملات لخطف الرعايا الأجانب وتفجير قنابل.
''بالرجوع إلى عام 2011، ربما اعتقد الناس أننا قد وجهنا ضربة حاسمة للجهاديين بوفاة بن لادن. ولكن اليوم، تبدو الصورة معقدة فجأة''، كما يقول أحد كبار المسؤولين الغربيين عن مكافحة الإرهاب. وأضاف قائلاً، ''تنكمش بعض جبهات النشاط، وينمو البعض الآخر ويبدو أن التهديد الآن أكثر تشعباً''.
يرى بعض الزعماء جميع هؤلاء الذي يصفون أنفسهم بحلفاء تنظيم القاعدة من حيث أعدادهم الكبيرة، حيث إنه بعد أزمة الرهائن المثيرة في الجزائر الشهر الماضي، والتي خلفت وراءها ما لا يقل عن 37 قتيلا من العمال الأجانب، تحدث رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون عن التهديد ''الوجودي'' و''العالمي'' الذي سيأخذ ''عقوداً، وليس شهورا'' للتغلب عليه.
يرى آخرون، مع ذلك، أن مثل هذا الخطاب مبالغ فيه، فهم يشيرون إلى أن الصلات بين مختلف الامتيازات التجارية غالبا ما تكون ضعيفة، إذا كانت موجودة على الإطلاق، فالعديد من الجماعات نشأت من الصراعات الإقليمية في المقام الأول، وتتقاسم الفكر المتطرف نفسه مماثلة، وتستخدم تسمية القاعدة لتضخيم رسالتها.
شعر المسؤولون بالارتياح بحقيقة أنه خلال السنة الماضية وقعت سلسلة من الأحداث الكبيرة - مثل دورة الألعاب الأولمبية لندن – التي جرت في العواصم الغربية دون وقوع حوادث. لكنهم ما زالوا يخشون امتيازات تنظيم القاعدة، ويبحثون عن أساليب مختلفة لاحتوائها.
في الشرق الأوسط، أظهرت الثورات الشعبية في مصر وليبيا وتونس كيف كان الجهاديون هامشيين في مجتمعاتهم. لكنها أنتجت أيضا حكومات جديدة ذات قدرة محدودة على فرض سيطرتها على أراضيها. في ليبيا، على سبيل المثال، ترك سقوط نظام القذافي البلاد في أيدي الميليشيات المتنافسة. في تونس ومصر، يمكن للجهاديين الذين أطلق سراحهم من السجن محاولة إعادة تجميع صفوفهم.
وعلاوة على ذلك، إن عدد الأماكن التي لا تسيطر عليها الحكومة- في مالي واليمن والصومال والمناطق القبلية الباكستانية- توسعت. ويقول خبراء الأمن إنه في حين تضاؤل التهديد من الجماعة الأساسية التابعة لبن لادن في باكستان، تتعرض وكالات الاستخبارات الغربية لضغوط لمواكبة هذا المشهد المتغير للامتيازات الإقليمية.
''عندما تحصن تنظيم القاعدة بشكل كبير في مناطق في باكستان والمناطق القبلية، كانت الولايات المتحدة قادرة على التعامل معهم بطريقة أكثر تركيزا من خلال هجمات الطائرات دون طيار''، كما يقول نايجل إنكستر وهو مسؤول سابق في الاستخبارات البريطانية الآن في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن. وبضيف قائلاً: ''لكن الآن لدينا تهديداً أكثر تفصيلاَ حيث لا يمكن لبلد واحد القدرة على التصدي له. وهذا يجعل التعامل مع هذه الجماعات الجهادية - معرفة متى وكيفية التدخل – صفقة رابحة جداً أكثر من كونه صعبا''.
بينما يتفقدون هذا المشهد المتطور، يركز مسؤولو الأمن في الغرب على المخاطر الوشيكة التي تواجهها رعاياها في الداخل والخارج. هناك أربع قضايا تعتلي قائمة اهتماماتهم.
أولا، على الرغم من تركيز وسائل الإعلام الكبير في الأحداث في شمال إفريقيا، إلا أنه لا تزال قدرات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية واليمن مصدر قلق بالغ، على الرغم من هجمات الطائرات دون طيار الأمريكية التي استمرت ثلاث سنوات. وحاول التنظيم، الذي أنشئ من خلال اندماج الجماعات الجهادية السعودية واليمنية، عدة مرات في السنوات الثلاث الماضية تنفيذ هجمات بالقنابل في الغرب باستخدام متفجرات معقدة يصعب على الماسحات الضوئية كشفها.
''لا تزال القاعدة في جزيرة العرب تمثل تهديداً خطيرا جدا للمصالح الغربية، بعد أن أظهرت الدافع والإرادة لتنفيذ هجمات، وكذلك القدرة على تشكيل قنبلة''، كما يقول جريجوري جونسن، الخبير في شؤون القاعدة في جزيرة العرب. ويضيف قائلاً، ''لا شيء في بحثي يشير إلى أنهم أصبحوا أقل تهديدا من السنوات الثلاث الماضية''.
وازداد عدد الجهاديين المرتبطين بالقاعدة في جزيرة العرب، كما يقول، من نحو 300 مقاتل في عام 2009 إلى ما يزيد على ألف مقاتل اليوم، إن لم يكن عدة آلاف.
والقلق الوشيك الثاني هو أن الرعايا الأوروبيين الملتزمون بالجهاد والتطرف الإسلامي يسافرون إلى سورية للقتال إلى جانب جبهة النصرة، حيث تضم الجماعة مقاتلين جهاديين ذوي خبرة كبيرة في صنع القنابل. ولكن سورية أسهل بكثير للدخول الغربيين عن الجبهات الجهادية الأخرى، مثل اليمن أو مالي.
''ليس هناك خطر فوري يشكله هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بهجوم بقنبلة في عاصمة كبرى''، كما يقول المحلل الغربي. ويضيف: ''لكن إذا لم تقطع الأجهزة الأمنية الاتجار بالأفراد في الوقت الحالي، فإنهم قد يواجهون هجمات على أراضيهم في غضون الأعوام القليلة المقبلة''.
الخطر الثالث هو أن تدخل فرنسا في مالي قد يثير عمليات انتقامية تقوم بها الجماعات الجهادية داخل فرنسا. ويعتقد خبراء الاستخبارات أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لا يملك حتى الآن الوسائل لتوجيه هجوم إلى فرنسا أو دول أوروبية أخرى من مخابئهم في شمال إفريقيا. لكنهم يخشون من أن العملية الفرنسية يمكن أن تساعد التنظيم في تعبئة أنصارهم المنفعلين حتى الآن والذين يعيشون في فرنسا ولهم صلات قوية بمنطقة الساحل.
القلق الرابع هو بينما يمتلك تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي قدرات محدودة ليصل إلى أوروبا مباشرة، فإن الاستيلاء على منشأة الغاز ''عين أمناس'' أثبت قدرة الجهاديين على مهاجمة الشركات الكبيرة والمواقع الصناعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
''هناك اتجاه قد يبدأ في الظهور وهو أن الجماعات الجهادية قد تفضل مهاجمة المصالح الغربية في منطقتهم بدلا من التركيز على البر الأوروبي أو الولايات المتحدة''، كما يقول خبير أمني.
إذا كانت هذه هي المخاوف الوشيكة، فمن ثم يجب على الحكومات الغربية أن تنظر أيضا في كيفية تطور التحدي الذي تواجهه من قبل الجهاديين على مدى فترة أطول، وما هي أفضل طريقة لمنع التنظيمات الإقليمية من النمو. من المعروف أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، على سبيل المثال، اكتسب قدرا كبيرا من الموارد من خلال عمليات خطف وتهريب المخدرات. ومع ذلك فهو أيضا حركة لديها نقاط ضعف وربما تجاوزت حدودها في محاولتها السيطرة على مالي. وقد ضعفت بالانقسامات الداخلية، حيث انشق مختار بلمختار، الذي قاد عملية الرهائن الجزائرية، عن عبد المالك دروكدال أواخر العام الماضي في أعقاب صراع على الزعامة.
''من خلال ترك بلمختار وحده يمكنك أن تخلق ديناميكية للتدمير الذاتي داخل التنظيم''، كما يقول نورمان بنومان أحد العناصر الجهادية الليبية السابقة والآن في مؤسسة كويليام في لندن.
يتطلب احتواء جبهة النصرة السورية انتهاج نهج مختلف. مع مقاتلين يقدرون بسبعة آلاف مقاتل أساسي، فإنها تبرهن على أنها ستكون أكثر انضباطا من مسلحي الجيش السوري الحر. إنها لا تقاتل قوات الأسد بشكل فعال فحسب، بل تلعب دوراً اجتماعياً في توزيع المساعدات، وتتولى توزيع الإفطار في حلب، على سبيل المثال.
ويختلف المحللون الأمنيون على مدى خطورة الجماعة في حال سقوط نظام الأسد. ''تمتص سورية الجهاديين من جميع أنحاء العالم''، كما يقول ريتشارد فينينج رئيس ''كونترول ريسكس'' شركة استشارية أمنية رائدة. ويضيف قائلاً: ''بهذا المعنى فهي مصدر قلق أكثر من أي جبهة جهادية أخرى في الوقت الحالي''.
السيد إنكستر من معهد الدراسات الاستراتيجية، على الرغم من ذلك، هو أكثر حذرا، حيث يقول: ''حتى لو أنشأت جبهة النصرة قاعدة ذات سلطة قوية في سورية بعد الأسد، عليك أن تتساءل عما إذا كانت سترفع أنظارها عن العدو القريب''.
وأعربت الولايات المتحدة عن قلقها إزاء نمو كتائب النصرة خلال حظر الجماعة رسميا. ولكن في أوروبا، يقول مسؤولون إنه يمكن تحقيق تهميش جبهة النصرة من خلال دعم قوات المتمردين الأكثر اعتدالا، وهي محاولة تعقدت بسبب تردد المعارضة في الحصول على المساعدة العسكرية المباشرة.
في إفريقيا الشرقية، يقول محللون غربيون تم إحراز تقدم في الصومال، والتي ينظر إليها على أنها أنموذج لكيفية احتياج القوى الإقليمية إلى تحدي المقاتلين المحليين. وكانت القوات الأوغندية والكينية حاسمة في نجاح الهجوم الذي أجبر جماعة شباب المجاهدين على الانسحاب من المدن الاستراتيجية العام الماضي.
ومع ذلك، تعلّم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية كيفية التكيف مع البيئة المتغيرة في اليمن. خوفاً من تهميش الانتفاضة له والتي أجبرت علي عبد الله صالح على الرحيل. الرئيس اليمني الذي تولى الحكم لفترة طويلة، سعى تنظيم القاعدة لإعادة تصنيف نفسه العام الماضي من خلال إنشاء فرع جديد يسمى جماعة أنصار الشريعة. ولقد اهتم بتوفير الخدمات الاجتماعية في دول العالم العربي الأكثر فقرا. على الرغم من أن تنظيم القاعدة تم طرده من المناطق الجنوبية التي استولى عليها العام الماضي، إلا أن الجماعة الجهادية استمرت في التجنيد.
يقول السيد جونسن، مؤلف كتاب ''الملجأ الأخير: حرب اليمن و تنظيم القاعدة، وأمريكا في جزيرة العرب''، أن تصور وقوع إصابات بين المدنيين من جراء هجمات الطائرات دون طيار ساهم في نمو قدرات الجماعة واجتذاب الدعم القبلي. ويستطرد جونسون: ''يمكن أن تكون الطائرات دون طيار أسلحة قوية لكنها ليست مجمل الحل''، كما يقول. ويضيف قائلاً: ''الإفراط في استخدام الطائرات دون طيار يغلق المكان الذي يجب على رجال الدين ورجال القبائل نقل المعركة إليه من أجل القاعدة. إن الأشخاص الوحيدين الذين يستطيعون هزيمة تنظيم القاعدة هم القبائل ورجال الدين''. أصر مسئولون غربيون على أن التهديد الأكثر تعقيداً الذي يشكله الجهاديون اليوم يجب ألا يحجب الإنجازات في العقد الماضي. ''لو كان بن لادن على قيد الحياة اليوم كان سينظر إلى الوراء منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) وسيشعر بخيبة أمل شديدة بمدى ضآلة ما حققته حركته''، كما يقول مسؤول غربي. ويضيف أيضاً: ''وجود استثمارات ضخمة من قبل عدد من الحكومات في أجهزة الاستخبارات منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) على الولايات المتحدة يعني أن الكثير من المؤامرات قد تم إحباطها. ولقد تم تهميش حركته تماما من خلال الربيع العربي''.
لكن يقول مسؤولون إن الأمر الأكثر إثارة للقلق حول الامتيازات الجهادية هو قدرتها على التكيف مع الظروف المتغيرة. في سنواته الأخيرة، أبعد الداعية اليمني العولقي تنظيم القاعدة عن هوس المؤامرات المعقدة وانتقل به إلى نهج ''فقط أفعل ذلك'' للإرهاب والذي يقوم من خلاله بإعداد مواطنين غربيين عبر شبكة الإنترنت. في عام 2008، قتلت حركة ''لعسكر طيبة'' في باكستان 166 شخصا في هجوم إرهابي منظم في مومباي. في الأسابيع القليلة الماضية، صدم بلمختار في الجزائر أغلب الحكومات الغربية بحجم عملية عين أمناس.
''في عملي هناك الكثير من الأمور التي تتغير''، كما يقول مسؤول مكافحة الإرهاب. ويضيف: ''لكن الشيء الوحيد الذي يبقى على حاله هو قدرة هذه الجماعات على التعلم والابتكار لتحقيق مباغتنا بشكل مفاجئ''.

