الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026|2 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

بسكان يبلغ تعدادهم 37 مليونا، وثروة من النفط والغاز، وطلب متزايد على البنية التحتية الحديثة والمنتجات الاستهلاكية، تبدو الجزائر على الورق مكانا مذهلا للاستثمار الأجنبي، ولاعبا اقتصاديا عظيما في المنطقة الواقعة جنوب البحر الأبيض المتوسط.

لكن في الواقع، الجزائر واحدة من أصعب الأماكن لممارسة الأعمال، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى أن تاريخ ما بعد الحقبة الاستعمارية المعقد، أسفر عن قيادة كتومة على قمة بيروقراطية بيزنطية مقاومة للتغيير.

جغرافيا، تجلس الجزائر على احتياطي هائل من الهيدركربونات يمثل نعمة ونقمة في آن معا.

ويقول رئيف موكريتر - كروبي، وهو أستاذ للتمويل الدولي ومستشار مصرفي في الجزائر العاصمة: ''إن الجزائر في الغالب هي اقتصاد مصدر للنفط والغاز، وهناك علاقة عكسية بين أسعار النفط من جهة والإصلاحات من جهة أخرى''. ويضيف: ''في كل مرة كانت الحكومة غنية بما فيه الكفاية لدفع ثمن أخطائها، وهذا يبطئ الإصلاحات''.

ووضعت توقعات الاستثمار الأجنبي في الجزائر تحت الأضواء مؤخرا، بعد هجوم شنه متشددون إسلاميون على منشأة جزائرية كبيرة لإنتاج الغاز في منتصف كانون الثاني (يناير) الماضي، ما أدى إلى أزمة رهائن أسفرت عن سقوط عشرات القتلى، من بينهم عمال أجانب.

وألقى الهجوم ومحاولة الإنقاذ الرسمية المميتة إلى حد كبير في الموقع، الذي تديره ''بريتيش بتروليوم'' و''شتات أويل'' و''سوناطراك'' المملوكة للحكومة الجزائرية، ليس فقط الضوء على نقاط الضعف الأمنية في الجزائر، ولكن أيضاً إلى غياب الشفافية والمساءلة.

فبعد ترحيبها بالمستثمرين الأجانب لفترة وجيزة في أوائل العقد الماضي، عملت السلطات الجزائرية الغارقة في الأموال، على إعاقة الاستثمار الأجنبي المحتمل عندما أجبرت رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، على التخلي عن حصته في ''ديزي''، وهي واحدة من شركتين للهاتف الجوال في البلاد. وخرج ساويرس بشكواه على الملأ، واصفا السلطات الجزائرية بأنها فاسدة تماما مثلما كان معمر القذافي في ليبيا. ورفع في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي دعوى ضد الحكومة الجزائرية مطالبا بخمسة مليارات دولار.

وعلى الدوام كانت الجزائر مكانا قاسيا بالنسبة للمستثمرين الأجانب والمحليين للقيام بأعمال تجارية. ووضع مؤشر ''هيريتدج فاونديشن'' الخاص بحرية الأعمال التجارية لعام 2013، الجزائر في المركز 145 على مستوى العالم، بعد لاوس الشيوعية وقبل إثيوبيا، والمركز 14 في قائمة تضم 15 بلدا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وقال في تقرير بهذا الشأن: ''تعوق حالة عدم اليقين السياسي المستمرة والموقف السلبي تجاه الاستثمار الأجنبي الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي، وتم إهمال السياسات الرامية إلى تعزيز تدابير الإصلاح، أو حتى وقفها''.

ومع ذلك، تغلب إغراء المليارات العائدة من النفط في بعض الأحيان على المخاوف بشأن القيادة الجزائرية. ووافقت رينو على فتح مصنع للسيارات في الجزائر في عام 2014. وافتتحت فنادق ستاروود العام الماضي فندقا واحدا من أكبر مراكز المؤتمرات في البلاد في المدينة الثانية، وهران.

ويقول خير الدين ماتالا، أستاذ الاقتصاد في الجزائر العاصمة: ''أعتقد أنه مكان جيد للأعمال التجارية الخارجية؛ لأن الطلب مرتفع جدا والإنتاج المحلي منخفض للغاية، وخاصة بالنسبة للمستهلكين''. ويضيف: ''ربما توجد بعض الصراعات في الساحة السياسية، لكن أعتقد أن النظام ليس لديه خيار سوى الإصلاح، نظرا لما حدث في تونس وليبيا. عليهم فتح الاقتصاد؛ لأنه الطريق الأسلم لهم للبقاء في السلطة''.

ويصر قادة البلاد على أنهم اتخذوا قرارا بفتح الاقتصاد أمام المستثمرين الأجانب، لكنه يحدث بوتيرة بطيئة جدا. ولنأخذ النظام المصرفي مثلا، وهو عنصر أساسي لممارسة الأعمال التجارية سواء للمستثمر الأجنبي أو المحلي. حتى يومنا هذا، تسيطر ستة مصارف مملوكة للقطاع العام على 90 في المائة من القطاع المصرفي، في حين يسيطر 20 مصرفا خاصا على أقل من 10 في المائة. وتبقى اللوائح المصرفية عتيقة، إذ يقول موكريتر ـ كروبي إنه انتظر خمس سنوات للحصول على ترخيص لبنك أجنبي يتوق إلى القيام بأعمال تجارية في الجزائر. ويضيف: ''عندما تتحدث إلى المسؤولين لا يرفضون، لكنهم يبقونك منتظرا''.

وتطلب الحكومة من الشركات الأجنبية إيجاد شريك محلي تكون له حصة 51 في المائة في أي مشروع، على الرغم من أن هناك عددا قليلا من الشركات المحلية تملك رساميل كبيرة والتي تتيح لها تحمل المشاركة في أي مشروع كبير.

وينتهي الأمر باضطرار المستثمرين الأجانب إلى مشاركة أحد الصناديق الاستثمارية السيادية الجزائرية، وبدء العمل التجاري فعليا مع الحكومة.

ولتسريع الإصلاحات، أطلقت مجموعة تضم 30 شخصية من قطاع الأعمال والعلماء وقادة المجتمع المدني، مبادرة عام 2011 تسمى ''جزائرُنا''، بنيت على أفكار جديدة تعرف اختصارا بالفرنسية NABNI. وأعدّوا قائمة بـ 100 إصلاح سريع وسهل يمكنها تحسين الجزائر، بما في ذلك إنشاء نظام لتحقيق الاستقرار في أسعار صرف العملات الأجنبية، لتسهيل إعادة توطين الأرباح الخاصة بالمستثمرين العالميين.

وفي الشهر الماضي، نشروا سلسلة من المقالات تحث على إصلاح المؤسسات الجزائرية، والاقتصاد، والإدارة، والتعليم، والرعاية الصحية، والبيئة. وحثوا على تخفيف قواعد الاستثمار والإصلاح الهيكلي للقطاع المصرفي، وبث الحيوية في سوق الأسهم المحلية. والأهم من ذلك، تنويع الاقتصاد الذي يعتمد على النفط والغاز بنسبة 98 في المائة من صادراته.

وخلال اجتماعات مع مسؤولين حكوميين، شبّهوا الجزائر بتيتانيك التي كانت موضوع فيلم وثائقي رائج تم بثه مؤخرا على شاشة التلفزيون المحلي. وبحسب موكريتر- كروبي: ''تم تحذير قبطان السفينة من أن طريقه ممتلئ بالجبال الجليدية، إلا أنه قال إن قاربه مصنوع للجبال الجليدية''.

ويضيف: ''يقول كثيرون أنه لا شيء يمكن أن يحدث لنا؛ لأن لدينا 200 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية واقتصاد كلي جيد''. ويتابع ''لكننا نعتمد بشكل كامل على النفط. إذا كنا نرغب في الهروب من المخاطر، فنحن بحاجة للبدء في تحويل المسار الآن؛ لأنه سيأخذ أكثر من بضع سنوات للتغيير''.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية