الثلاثاء, 8 سبتمبر 2026|25 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

سواء شاء ساسة شرق آسيا وخبراؤها أم أبوا، فإن العلاقات الدولية في المنطقة حاليًا أصبحت أشبه بسياسات توازن القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر، وليس أوروبا المستقرة اليوم. والشاهد على هذا تصاعد النعرة القومية، والنزاعات الإقليمية الحدودية، والافتقار إلى آليات التعاون الأمني المؤسسية الفاعلة في شرق آسيا. ورغم أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا، تزداد عمقًا مع الوقت، فإن العلاقات الدبلوماسية فيما بين هذه الدول مثقلة بالخصومة وعدم الثقة، تمامًا كحال العلاقات بين الدول الأوروبية في العقود السابقة للحرب العالمية الأولى.

ويُعَد تحول القوى من السمات المشتركة بين الحال آنذاك والحال الآن. ففي ذلك الوقت، كانت قوة بريطانيا العظمى النسبية في انحدار، في حين كانت قوة ألمانيا في ارتفاع منذ توحيد ألمانيا في عام 1871.

وعلى نحو مماثل، على الأقل فيما يتصل بالاقتصاد، وإن لم يكن من حيث القدرة العسكرية، تبدو كل من الولايات المتحدة واليابان وكأنها بدأت عملية انحدار نسبة إلى الصين. وبطبيعة الحال، فإن هذه العملية ليست غير قابلة للتراجع: فبفضل الزعامة السياسية الفاعلة والإصلاحات الداخلية الناجحة في الولايات المتحدة واليابان، إلى جانب فشل الصين في إدارة الضغوط السياسية من الأسفل، قد يتوقف هذا التحول في القوى الذي يبدو صلبًا عنيدًا في ظاهره.

إن تحولات القوى الكبرى تحدد معالم عصور، حيث من المرجح أن يرتكب زعماء سياسيون بارزون أخطاء خطيرة في السياسة الخارجية. والواقع أن الإدارة الرديئة للعلاقات الدولية في مثل هذه المنعطفات الحاسمة كثيرًا؛ ما أدت إلى حروب كبرى. فالقوى الصاعدة تميل إلى المطالبة بدور أكبر في السياسة الدولية، في حين تميل القوى المنحدرة إلى العزوف عن التكيف، ومن المرجح أن يسيء كبار الساسة فهم نوايا زعماء الدول الأخرى فيبالغون في ردود أفعالهم إزاء تصرفاتهم.

وتاريخيًا، تميل القوى الصاعدة إلى اكتساب قدر من الثقة أعظم مما ينبغي لها بسرعة كبيرة؛ الأمر الذي يدفعها إلى التصرف بتهور، وهو ما يخيف جيرانها. على سبيل المثال، خلع القيصر فيلهلم الثاني المستشار أوتو فون بسمارك من منصبه في عام 1890، بعد مرور أقل من عشرين عامًا من تشكيل الرايخ الثاني، وبدأ في تدمير شبكة التحالفات التي أقامها بسمارك بعناية كبيرة. وكانت دبلوماسيته الخشنة سببًا في ترويع فرنسا، وبريطانيا، وروسيا؛ الأمر الذي جعل من السهل على هذه الدول أن تتوحد ضد ألمانيا.

وتذكرنا العدوانية التي اتسمت بها دبلوماسية الصين الجديدة في عام 2010 ــ في أعقاب اندلاع أسوأ أزمة مالية على الإطلاق منذ ثلاثينيات القرن العشرين ــ بألمانيا في عصر فيلهلم الثاني. ففي كل من الحالتين، لم يكن انعدام الشعور بالأمان راجعًا إلى تهديد خارجي، بل إلى تصرفات كبار الساسة.

وستشكل السياسة الخارجية الأمريكية عنصرًا أساسيًا آخر. فإذا تبنت الولايات المتحدة نهج المواجهة والهيمنة، فإن السياسة في شرق آسيا ستستقطب لا محالة، تمامًا كما تراجعت أوروبا المتعددة الأقطاب في القرن التاسع عشر لكي تفسح المجال أمام نظام ثنائي القطبية على نحو متزايد وبشكل متزامن مع تصاعد التوترات بين ألمانيا وبريطانيا. ولعل ما يسمى بمحور آسيا الأمريكي كان ضروريًا من وجهة نظر الولايات المتحدة؛ نظرًا لمخاوف حلفائها الآسيويين بشأن الصين. ولكن ما لم تكن الولايات المتحدة راغبة في إشعال مواجهة على غرار الحرب الباردة في آسيا، فيتعين عليها أن تحرص على إشراك الصين في صياغة بنية أمنية إقليمية قابلة للبقاء.

علاوة على هذا، فإن تبني الولايات المتحدة نهج المواجهة في التعامل مع الصين يشتمل ضمنًا على عامل آخر مزعزع للاستقرار: فقد تصبح اليابان أكثر جرأة مما ينبغي في إدارة سياستها الخارجية. فبعد أن توقف فيلهلم الثاني عن إشراك روسيا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، تفاقمت العلاقات الثنائية بين البلدين سوءًا، وهو ما كان سببًا في تزويد حليفته النمسا بما يشبه الشيك على بياض في التعامل مع صربيا ــ والأهم من ذلك الراعي الروسي لصربيا. وبالتالي، فقد ساهم فيلهلم عن غير قصد في اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.

إن الدروس التي نستطيع أن نتعلمها من الإخفاقات الدبلوماسية التي أدت إلى الحرب العالمية الأولى وفيرة. وأخيرًا نُشِر كتاب تاريخ لكريستوفر كلارك يتحدث فيه عن المقدمات الدبلوماسية التي سبقت تلك الحرب، بعنوان ''السائرون نيامًا''. والسؤال المطروح اليوم على الولايات المتحدة وزعماء شرق آسيا هو ما إذا كان من الممكن أن يفيقوا من نومهم وأن يسارعوا إلى وضع آليات فعّالة متعددة الأطراف للتعاون الأمني قبل أن يلحقوا بأنفسهم ضررًا جسيمًا.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2013.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية