السبت, 5 سبتمبر 2026|22 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

قال لـ''الاقتصادية'' مختصان في قطاع النفط أمس، إن توقعات وكالة الطاقة الدولية بأن تمثل أسعار النفط تحديا كبيرا للجهود المبذولة في إنعاش الاقتصاد العالمي، لا ترتكز على حقائق ومعلومات دقيقة، خاصة أن الوكالة التي أنشئت عام 1974م تحرص على رعاية وحماية مصالح الدول الغربية المستهلكة للنفط.

ووفقا للمختصَّين، فإن ''الطاقة الدولية'' تحاول دوما إلقاء اللوم على منظمة أوبك في ارتفاع وانخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهو أمر غير صحيح، خاصة أن ''أوبك'' لم تغير شيئا في سياستها تجاه إمداد الأسواق بحاجتها من النفط، وعليه يجب ألا تكون ''أوبك'' حجة في ارتفاع أو انخفاض الأسعار، حيث ثمة عوامل أخرى اقتصادية عالمية لذلك، إذ يبدو أن هنالك طلبا على النفط، وبالتالي ترتفع الأسعار بطبيعة الحال.

وقال فاتح بيرول كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية أمس إن ارتفاع سعر مزيج برنت قد ينال من التعافي الاقتصادي العالمي، في حين سيكون الاقتصاد الأوروبي عاملا مؤثرا في تحديد الطلب العالمي على النفط في 2013م.

وقال بيرول قبيل مؤتمر لصناعة النفط في طوكيو: ''مصدر القلق الأكبر بالنسبة لي هذه الأيام هو سعر النفط. الأسعار الحالية مرتفعة خاصة في ضوء هشاشة التعافي الاقتصادي العالمي''.

وتابع وفقا لـ''رويترز''، أن الوضع الاقتصادي الراهن ''ليس مشرقا بالصورة التي نأملها وأعتقد أن أسعار النفط المرتفعة نسبيا في الوقت الراهن تمثل تحديا كبيرا في حد ذاتها لجهود إنعاش الاقتصاد العالمي''.

ويقول الدكتور راشد أبانمي رئيس مركز السياسات النفطية والتوقعات الاستراتيجية إن وكالة الطاقة الدولية تحاول أن تعطي انطباعا بأن هناك فائضا في النفط في الأسواق العالمية، في ظل ضعف في النمو الاقتصادي، بالتالي فإن الطلب على النفط سيكون أقل أيضا عما كان عليه في العام الماضي.

وأضاف: ''في اعتقادي الشخصي أن المعلومات التي تبثها الوكالة خاطئة وغير دقيقة، ويدلل على ذلك أن الطلب على النفط يتركز أولا وأخيرا على نمو الاقتصاد خلال 2013م، وحيث إن كل المؤشرات تدل على أن هنالك نموا اقتصاديا في الهند والصين، ما يعني أن هنالك طلبا متزايدا على النفط''.

وقال إن الوكالة كانت في السابق تتحدث عن الطلب على النفط بأنه سيكون أقل، لكن حدث العكس فأصبح هناك زيادة في الطلب، وأوضح أنه كلما ارتفع الطلب على النفط يصبح المعروض محدودا ويؤثر ذلك في الأسعار. ''الآن بدأت الوكالة تتحدث عن ارتفاع الأسعار وأنه ينبغي خفضها حتى لا تؤثر في النمو الاقتصادي''.

ويعتقد أبانمي أن كل توقعات الوكالة ليست مبنية على أسس حقيقية وواقعية، بل يبدو أن لديها أهدافا سياسية للضغط على الأسعار لمصلحة الدول المستهلكة، وأيضا الضغط على الدول المنتجة لرفع إنتاجها من النفط، ولا سيما أن مقاطعة نفط إيران، ثاني دولة منتجة للنفط في منظمة أوبك بعد السعودية، سيقلل من المعروض تدريجيا في ظل تزايد الطلب على النفط بسبب النمو الاقتصادي العالمي في عدد من الدول المستهلكة.

وتابع أبانمي: ''توقعات الوكالة ليست مبنية على الواقع الفعلي للاقتصاد العالمي والعرض والطلب على النفط، وإنما محاولة تدخل للضغط على الدول المنتجة للنفط، خاصة أنه إذا أصبح هناك معروض عال سيكون الطلب على النفط أقل، بالتالي تنخفض الأسعار''.

وأشار أبانمي إلى الخلفية التاريخية لإنشاء وكالة الطاقة الدولية عام 1974م من أجل رعاية حماية مصالح الدول الغربية المستهلكة للنفط، وذلك بعد قيام منظمة أوبك التي نجحت نوعا ما في فك احتكار شركات البترول العالمية التي تعرف بـ''الأخوات السبع''.

حيث اضطرت الدول المستهلكة التي كانت تمثلها الشركات الاحتكارية في السابق لتأسيس جبهة مضادة لـ''أوبك'' والدول المنتجة، فأنشأت وكالة الطاقة الدولية حتى تمثل مصالحها وليس مصالح المنتجين والمستهلكين معا، وأصبح هناك منافسة بين ''أوبك'' ووكالة الطاقة الدولية منذ الحظر النفطي عام 1973م.

وأضاف: ''كان الغرض من قيام الوكالة أن تحل محل الشركات الاحتكارية، ورعاية مصالح الدول الغربية المستهلكة للنفط، لذا فإن أغلب توقعاتها تصب في مصلحة هذه الدول، والدليل أنه منذ عام 1974م وحتى الآن فإن جميع توقعاتها تخدم مصالح المستهلكين، ولا يوجد أي توقعات تصب في صالح الدول المنتجة، لذا يجب التشكيك في توقعات الوكالة التي من بين أهدافها أن يكون هناك معروض كبير من النفط، وأن تكون الأسعار منخفضة للغاية كي تستفيد من ذلك الدول المستهلكة''.

وأكد أن هناك نموا اقتصاديا يتبع زيادة في الاستهلاك، ورغم ذلك فإن الأسعار العادلة لم يصلها النفط بعد، مشيرا إلى أن السعودية عندما قالت إن السعر العادل للنفط 100 دولار هدفت من إلى ألا يكون هناك تأثير في حركة النمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه يكون السعر عادلا للمنتجين والمستهلكين، خاصة تلك الدول التي تعتمد على النفط كمصدر رئيس.

لكن عند النظر إلى السعر الفني العادل للنفط فإن المعادلة تختلف وفقا لأبانمي، إذ هو في حدود الـ 700 دولار. ''إذا تحدثنا عن السعر النفطي المرتبط بالسعرات الحرارية للنفط والبدائل الأخرى، فإن السعر فنيا يجب أن يكون في حدود 700 دولار، لكن سعره حاليا قائم على معيار اقتصادي وسياسي للدول المنتجة التي ترى أن هذا السعر عادل بالنسبة إليها''.

''الوكالة إذا كانت تعلم فعلا أن الدول المنتجة تحدد سعر النفط بناء على المعيار السياسي والاقتصادي وليس الفني الذي لا يمكن التدخل فيه، فإنها تحاول أن تتحكم في المعيار الاقتصادي السياسي لخلق انطباع أن الطلب سيكون قليلا على النفط بسبب النمو الاقتصادي''.

ويتابع: ''عندما ثبت أن كل توقعات الوكالة منذ العامين الماضي والجاري ليست صحيحة، خاصة أن النمو بدأ يتحرك، بدأ الحديث عن الأسعار وتأثيرها في النمو الاقتصادي، بالتالي الضغط على الدول المنتجة لزيادة الإنتاج بهدف خفض الأسعار''.

من جهته، قال لـ''الاقتصادية'' سداد الحسيني المختص في القطاع النفطي، إن إمدادات ''أوبك'' من النفط للأسواق العالمية لم تتغير حتى يؤثر ذلك في الأسعار، وهنالك عوامل اقتصادية عالمية، مشيرا إلى أن الوكالة تعتقد أن أوروبا تمثل اقتصاد العالم في حين هي جزء من العالم، فهنالك أسواق الشرق الأقصى يرتفع فيها استهلاك النفط وكذلك أمريكا، إضافة إلى الدول النامية الأخرى التي تستهلك كميات مقدرة من النفط.

وأضاف أن ارتفاع الأسعار ليس له علاقة بـ''أوبك'' إنما له علاقة بالاقتصاد العالمي الذي ينمو بشكل جيد وينتج عنه زيادة في الطلب على النفط وارتفاع الأسعار.

ويتساءل الحسيني: ''سعر البرميل الآن نحو 116 دولارا، فهل إذا انخفض إلى مستوى 105 يعني ذلك أن الاقتصاد الأوروبي سينتعش فجأة؟''، مؤكدا أن ذلك لا يغير في الواقع شيئا، خاصة أن المشكلات التي تعانيها أوروبا ليست في توافر الطاقة، بل في مشكلات أعمق منها البطالة وأسواق الأسهم وسعر اليورو أمام العملات الأجنبية الأخرى.

''هناك زيادة في الإنتاج العالمي من النفط سواء في أمريكا أو البرازيل، وكل هذه الكميات تدخل الأسواق العالمية، والآن الاحتياج العالمي من النفط يقدر بنحو 90 مليون برميل، لذا لا أعتقد أن هنالك أزمة في العرض''.

وأضاف: ''إذا فكرت أوبك في زيادة إنتاجها من احتياطي النفط فإن النتيجة انخفاض في أسعار النفط، وفي مثل هذه الحالة فإن الدول التي تعمل على تطوير حقوقها الصعبة كروسيا ستعمل على تخفيض إنتاجها، وبالتالي سينخفض الإنتاج ويقل، وهنا نعود لمشكلة تتمثل في عدم وجود إنتاج كاف''.

وفي كانون الثاني (يناير) رفعت الوكالة الدولية للطاقة توقعاتها للطلب العالمي على النفط في 2013م بمقدار 240 ألف برميل يوميا إلى 90.8 مليون برميل يوميا، أي بزيادة نسبتها 1 في المائة على مستواه في 2012م رغم المخاوف المتعلقة بحالة الاقتصاد العالمي.

وأشار فاتح بيرول كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية إلى أن الوكالة قد تعدل بالزيادة توقعاتها للطلب العالمي على النفط هذا العام تبعا للاقتصاد الأوروبي الذي سيؤثر انتعاشه على مناطق أخرى.

وقال إن ''السؤال المهم في رأيي هو إن كان الاقتصاد الأوروبي سينتعش هذا العام وكيف. الحلقة الأضعف هي أوروبا. إذا رأيت صعوبة كبيرة في أوروبا فإن التداعيات ستكون على الاقتصاد العالمي وبالتالي على الطلب على النفط''.

وتابع أن الانتعاش البطيء التدريجي للاقتصاد الأوروبي مصحوبا بإشارات على التحسن من الصين والولايات المتحدة قد يؤدي إلى معدل نمو أفضل مما تتوقعه وكالة الطاقة العالمية وتدفعها لإعادة النظر في بياناتها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية