الثلاثاء, 8 سبتمبر 2026|25 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

وصلنا إلى الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة القصيرة التي افتقدت كثيرًا من خفة الدم، وطغى عليها الطرح الأكاديمي بجوانبه السلبية والإيجابية. في هذا المقال سنتحدث عن استراتيجية المحيط الأزرق التي أعتبرها البديل للاستراتيجيات الشاملة التي تحدثنا عنها بنوع من الاستفاضة في المقال السابق. يصعب الحديث عن استراتيجية المحيط الأزرق من دون ذكر هنري فورد، مؤسس شركة فورد لصناعة السيارات. في مطلع القرن العشرين كان يوجد في الولايات المتحدة نحو 200 شركة لصناعة السيارات، تقلص هذا العدد إلى عشرين شركة في بداية الثلاثينيات ولم يبق منها إلا أربع شركات مع بداية ستينيات القرن الماضي. يُعبر هذا التقلص الكبير في عدد الشركات المنتجة للسيارات عن حدة المنافسة التي عاشها قطاع صناعة السيارات الأمريكي. تعتبر شركة فورد لصناعة السيارات أحد أشهر الناجين من المنافسة، كما تعتبر أحد الأمثلة البارزة التي توضح مدى فاعلية استراتيجية المحيط الأزرق في تغيير ملامح القطاع والتفوق على المنافسة. كان اقتناء سيارة في بداية القرن العشرين يعتبر أحد أشكال الترف، كما هو الحال مع الطائرات الخاصة في بداية القرن الواحد والعشرين. كانت السيارات تُصمم حسب الطلب ليستمتع بها عدد قليل من نخبة المجتمع خلال إجازة نهاية الأسبوع، إلى أن قرر هنري فورد تغيير معالم القطاع والتفوق على المنافسة بتقديم سيارة "تي مودل" للعامة وللاستخدام اليومي. في عام 1908 قدمت فورد أول سيارة لمتوسطي الدخل بسعر 850 دولارًا، بينما كانت وسيلة النقل الرئيسة آنذاك، العربة المسحوبة بحصان، تكلف نحو 400 دولار. كانت سيارة "تي مودل" ذات جودة عالية، قادرة على السير فوق الطرق الوعرة، ويمكن لأي شخص أن يتعلم قيادتها خلال يوم واحد، إضافة إلى أنها كانت سهلة الإصلاح. تم تقديمها بلون واحد فقط وهو الأسود وعدد محدود جدًا من الإكسسوارات لتسهيل عملية الإنتاج بكميات كبيرة. بما أن الشيء بالشيء يذكر، يعتبر هنري فورد من أوائل الصناعيين الذين طبقوا الإنتاج المتسلسل وهو الإنتاج بكميات كبيرة لمنتج بمواصفات موحدة. كان لطريقة الإنتاج هذه أثر كبير في نشوء الثورة الصناعية إحدى ثلاث ثورات في تاريخ الإنسانية - الثورات الزراعية والصناعية والمعلوماتية - التي أوصلت العالم الغربي إلى ما هو عليه، مع ذلك لم تسم ربيعًا...الله يعوضنا بالجنة، حتى الثورات لا نجيد إلا الدموي منها.

في عام 1909، أي بعد عام واحد من دخول سيارة فورد الجديدة إلى السوق الأمريكي، انخفض سعرها إلى 609 دولارات، وفي عام 1924 أصبح امتلاك سيارة فورد أرخص من امتلاك عربة عندما انخفض سعرها إلى 209 دولارات نتيجة منطقية لارتفاع كمية المبيعات. ارتفعت مبيعات شركة فورد بشكل مذهل، وارتفعت حصتها السوقية من 9 في المائة في عام 1908 إلى 61 في المائة في عام 1921، وفي عام 1923 استبدل معظم الأمريكيين عرباتهم بسيارة فورد. تعتبر استراتيجية هنري فورد في تغيير معالم قطاع صناعة السيارات الأمريكي من أشهر الأمثلة في أدبيات الاستراتيجيات الإدارية بشكل عام واستراتيجية المحيط الأزرق بشكل خاص. أما فيما يتعلق باستخدام استراتيجية المحيط الأزرق في السوق السعودية، فإن مصرف الراجحي والصيرفة الإسلامية هو أول مثال يتبادر إلى ذهني. عندما اشتدت المنافسة بين المصارف السعودية في أواخر سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن العشرين، كانت الصيرفة الإسلامية هي المحيط الأزرق الذي غيَّر معالم القطاع ومكَّن مصرف الراجحي من التفوق على المنافسة. كما ذكرت في المقال الأول من هذه السلسلة، تعتمد استراتيجية المحيط الأزرق على أسلوب الإدارة الريادية وهو الأسلوب الذي اشتهر به مؤسس المصرف الشيخ سليمان الراجحي. لم يسبق لي أن قابلت مؤسس المصرف، كما لا أتوقع أنة قابل أو ناقش منظِّري استراتيجية المحيط الأزرق في جامعة إنسياد. في الحقيقة، أعتقد أن الشيخ الراجحي لم يسمع عن استراتيجية المحيط الأزرق عندما قدَّم الصيرفة الإسلامية للسوق السعودية، أما بالنسبة لمؤسس شركة فورد فأنا متأكد أنه لم يسمع بمصطلح المحيط الأزرق إلا فيما يتعلق بالأمواج والمياه الزرقاء؛ ما يدل على أن هذه الاستراتيجية قديمة قِدم الزمن، كما أنها من الاستراتيجيات المفضَّلة لرواد الأعمال ممن دفعهم الطموح لتكوين كيانات اقتصادية عالمية يعمل فيها آلاف الموظفين وتقتات منها آلاف الأسر.

المثير للاهتمام أنه يتضح مما سبق ذكره أن استراتيجية المحيط الأزرق لا تعتمد على الاختراع أو الابتكار التقني، كما هو الحال مع شركة فورد أو مصرف الراجحي أو شركة سي إن إن الإخبارية أو شركة هوم ديبو لمواد البناء، وغيرها من الشركات التي استخدمت استراتيجية المحيط الأزرق للتفوق على المنافسة. أيضًا، توضح لنا هذه الأمثلة أن المحيطات الزرقاء تُخلق في قلب الحمراء ومن صميم عملها الرئيس؛ إذ إن هنري فورد وعلى الرغم من تغييره معالم قطاع صناعة السيارات الأمريكي، إلا أنه قدَّم سيارة وسليمان الراجحي غيَّر القطاع المصرفي السعودي إلا أنه قدَّم صيرفة، وإن كانت إسلامية. أخيرًا. من الأمثلة السابقة يتضح لنا أن خلق المحيطات الزرقاء عندما يحمى وطيس المنافسة وتُصبغ مياه المحيطات بدماء المنافسة يؤدي إلى خلق كيانات اقتصادية عالمية مثل الأمثلة سابقة الذكر، إلا أن ذلك لا يستثني هذه الاستراتيجية من المعادلة الاقتصادية المعروفة والتي تحدد المخاطر بالعوائد؛ فاستراتيجية المحيط الأزرق من أخطر الاستراتيجيات الإدارية وتتطلب إلمامًا بأساليب الإدارة الريادية التي تُعتبر من أصعب أساليب الإدارة. ذكرت لكم في هذا المقال الأمثلة الناجحة ولم أذكر لكم أن هناك كثيرًا من الشركات التي خلقت محيطات زرقاء، إلا أنها غرقت فيها.. للأسف.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية