العريان ودعوته المريبة

|
الدكتور عصام العريان، أحد قادة جماعة (الإخوان المسلمين)، ويتبوأ في الوقت الحاضر مناصب عدة، أهمها نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للجماعة وزعيم الأغلبية في مجلس الشوري المصري، ومستشار رئيس الجمهورية سابقاً الدكتور محمد مرسي، الذي ينتمي أيضاً لهذه الجماعة. ومنذ أن وقعت مصر تحت حكم الجماعة أطلق العريان تصريحات عديدة، أثارت جدلاً واسعاً، لكن أغرب هذه التصريحات وأشدها نكراً التصريح الأخير الذي دعا فيه إلى عودة اليهود الإسرائيليين من أصل مصري إلى مصر واسترداد جنسيتهم المصرية وتعويضهم عن ممتلكاتهم المؤممة، متهماً الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر -رحمه الله-، بأنه هو الذي طرد اليهود من مصر، زاعماً أن الهدف من دعوته هو أن يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى وطنهم متنبئاً بأن إسرائيل ستزول خلال عقد من الزمان لا أكثر، الأمر الذي يحتم على اليهود الإسرائيليين العودة إلى أوطانهم الأصلية، منوهاً بأن المادة الثانية من الدستور المصري الجديد قررت أن من حق المسيحيين واليهود المصريين الاحتكام لشرائعهم في قضايا الأحوال الشخصية. ولقد أثارت دعوة العريان ردود أفعال غاضبة ومستنكرة داخل مصر. وأكد الدكتور العريان أن تصريحاته حول عودة اليهود إلى مصر تعبر عن رأيه الشخصي ولا علاقة لها بتوجه الرئاسة أو حزب الحرية والعدالة، كما أوضحت رئاسة الجمهورية أن العريان لا يتحدث باسمها، على الرغم من كونه أحد مستشاري الرئيس مرسي، فهو لا يمثل الرئاسة لأنه ليس متحدثاً رسمياً لها. وهنا لنا وقفة للتعليق فنقول ما يلي: 1 - إن اليهود المصريين، شأنهم شأن اليهود في الدول الأخرى، بدأوا الهجرة طواعية إلى فلسطين بدعوة وتخطيط وتنظيم من المنظمات الصهيونية العالمية وبالتواطؤ مع الدول الاستعمارية، خصوصاً أمريكا وبريطانيا من أجل إقامة دولة إسرائيل، واستمرت هجراتهم بعد قيام إسرائيل ثم رحلت البقية الباقية منهم طواعية بعد حرب 1956 التي شنتها إسرائيل ضد مصر بالمشاركة مع بريطانيا وفرنسا ولم يبق منهم بعد ذلك إلا أفراد قليلون يعدون بالعشرات. لكن العريان، وغيره من المنتمين لجماعة الإخوان، تدفعهم كراهيتهم الشديدة للرئيس جمال عبد الناصر إلى أن ينسبوا إليه أقوالاً وأفعالاً لم تصدر عنه، بهدف اغتياله معنوياً بعد مماته بعدما أخفقوا في اغتياله جسدياً إبان حياته. وكانت تصريحات العريان الأخيرة أحد نماذج هذا الافتراء، حيث اتهم جمال عبد الناصر بطرد اليهود من مصر، وهو أمر لم يفعله ألبتة، بل إن عبد الناصر لم يطرد اليهود حتى بعدما استخدمت إسرائيل بعضهم عام 1954 في عمليات إرهابية ضد مصالح أمريكية وبريطانية في مصر بهدف الحيلولة دون قيام علاقات حسنة بين هذين البلدين ومصر. وهي العملية التي عرفت باسم (فضيحة لافون) نسبة إلى بنحاس لافون وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك الذي أشرف شخصياً على هذه العملية. وأنا هنا لا أدافع عن عبد الناصر، إنما أدافع عن حقائق التاريخ، ولذلك أذكر العريان بقول الحق - سبحانه وتعالى "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً". 2 - إن السماح لليهود من أصل مصري بالعودة إلى مصر واسترداد جنسيتهم المصرية سيجعل هؤلاء مواطنين مصريين وإسرائيليين في آن واحد، لأن قانون الجنسية المصري يسمح للمصري بأن يحمل جنسية دولة أخرى. وغني عن البيان أن ولاء هؤلاء لن يكون لمصر بل لإسرائيل، فهي التي يعتبرونها دولتهم الأم التي حاربوا من أجلها في صفوف قواتها المسلحة ضد مصر والدول العربية الأخرى. ولن يكونوا في حال عودتهم واسترداد جنسيتهم المصرية إلا جواسيس لدولتهم الغاصبة مع تمتعهم الكامل بجميع حقوق المواطنة المصرية. هذا هو الوضع الشاذ والخطير الذي سينشأ لو تحققت دعوة العريان وعاد هؤلاء اليهود إلى مصر. 3- إن الدكتور العريان طالب بتعويض اليهود الإسرائيليين من أصل مصري عن ممتلكاتهم التي أممت في عهد جمال عبد الناصر، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الذين أممت أملاكهم من اليهود كانوا أفراداً معدودين وكانوا مواطنين مصريين خضعوا كغيرهم من المواطنين لقوانين التأميم، ولا يستوجب تعويضهم إن كان له موجب، عودتهم إلى مصر كمواطنين إنما بإمكانهم اللجوء إلى المحاكم المصرية المختصة للمطالبة بالتعويضات المزعومة، لكن الغريب في الأمر أن الدكتور العريان أبدى تعاطفاً مع هؤلاء اليهود وتجاهل حق مصر في مطالبة إسرائيل بالتعويض عن الأضرار والخسائر المادية والبشرية التي لحقت بمصر جراء حربي 1956 و1967 وحرب الاستنزاف من سنة 1967 إلى عام 1970 ثم حرب العبور سنة 1973م. لقد مضى نحو 35 عاماً على إبرام معاهدة السلام ولم تحصل مصر من إسرائيل على التعويضات العادلة عن استنزاف حقول النفط في سيناء كما لم تحصل على تعويضات عادلة عن جميع الأضرار والخسائر التي أصابتها جراء احتلالها جزءاً من الأراضي المصرية لنحو 15 عاماً، فلماذا تجاهل الدكتور العريان حق مصر في الحصول على هذه التعويضات، وتعاطف مع مطالب اليهود في التعويض عن ممتلكاتهم المؤممة، وهي لا تعد شيئاً مذكوراً حيال حجم التعويضات التي تستحقها مصر؟! 4 - ربط العريان ربطاً عجيباً بين النص الوارد في الدستور المصري الجديد المتضمن حق المسيحيين واليهود في الاحتكام لشرائعهم في قضايا الأحوال الشخصية وبين العودة المحتملة لليهود المصريين من إسرائيل. والواقع أن هذا النص الدستوري هو تزيد ولم يأت بجديد لسببين، الأول أن الدستور الجديد كالدستور السابق ينص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، والشريعة تعطي غير المسلمين حق الاحتكام لشرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية، والسبب الثاني أن القانون المصري المطبق منذ أمد بعيد يعطي غير المسلمين في مصر حق الاحتكام إلى شرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية. لذلك فإن الهدف مما ورد في الدستور الجديد بخصوص هذا الأمر هو التقرب زلفى من أمريكا وأوروبا بالإيهام بأن غير المسلمين في مصر اكتسبوا حقاً جديداً. 5 - لقد استقبلت الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية تصريحات العريان بترحيب شديد، وإن استنكرت نبوءته بزوال إسرائيل خلال عشر سنوات. ومنحت هذه التصريحات إسرائيل دعماً لمزاعمها الباطلة بشأن مطالبة مصر تعويض الإسرائيليين من أصل مصري عن ترحيلهم ومصادرة ممتلكاتهم. بينما أثارت هذه التصريحات مخاوف الرأي العام في مصر بأن تكون هذه التصريحات توطئة لترتيبات يجرى تحضيرها في الخفاء، خصوصاً أن لدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية في مصر قناعة، أن جماعة الإخوان لم تصل إلى حكم مصر إلا بدعم أمريكي، وأن توقيت هذه التصريحات كان مريباً حيث جاءت بعد فترة قصيرة من عودة العريان من زيارته لأمريكا. ختاماً أقول إذا كانت تصريحات العريان تعبر عن رأيه الشخصي فحسب، فقد كان الأجدر إقالته من منصبه الرسمي كمستشار للرئيس بعد هذه التصريحات الضارة بمصالح مصر ضرراً بليغاً، وأن ذلك كان أولى من إحالة بعض الإعلاميين المصريين إلى التحقيق والمساءلة بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، فالإضرار بمصالح الدولة العليا هو بلا ريب أشد نكراً وأعظم مصيبة.
إنشرها