الاستيطان الإسرائيلي ونظام المحكمة الجنائية الدولية

|
في 29/11/2012، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يقضي بالموافقة على قبول فلسطين كدولة مراقِبة (غير عضو) في الأمم المتحدة. وصدر هذا القرار بأغلبية ساحقة، حيث صوتت لصالحه 138 دولة، وعارضه تسع دول منها إسرائيل والولايات المتحدة، وامتنعت عن التصويت 41 دولة. وعلى إثر ذلك صرح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) بأن قبول فلسطين دولة مراقِبة غير عضو في الأمم المتحدة يعني أن فلسطين أصبحت دولة تحت الاحتلال ينطبق عليها ميثاق جنيف الرابع. من جهته اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن القرار لن يغير شيئا على الأرض وهو لن يدفع بإقامة الدولة الفلسطينية بل يبعدها. وتأكيدا لهذا الموقف أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها ستبدأ في إقامة أكثر من عشرة آلاف وحدة سكنية جديدة شرقي القدس، منها ثلاثة آلاف وحدة في المنطقة الفاصلة بين وسط وجنوب الضفة الغربية المحتلة. وتهدف إسرائيل من توسيع مشروعاتها الاستيطانية إلى فصل القدس عن الضفة الغربية والحيلولة دون تواصل جغرافي بين أجزاء الدولة الفلسطينية المراد إقامتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967. وأثار القرار الإسرائيلي ردود أفعال دولية واسعة، حيث استنكرت عدد من الدول هذه الخطوة ودعت إسرائيل إلى التراجع عنها، بل إن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون نددت بالمشروعات الاستيطانية الإسرائيلية الجديدة، وقالت في مؤتمر صحافي بحضور مسؤولين إسرائيليين (دعوني أكرر أن هذه الإدارة، على غرار الإدارات السابقة، أبلغت إسرائيل بوضوح شديد أن هذه الأنشطة لتوسيع المستوطنات تؤدي إلى تراجع قضية سلام يتم التفاوض في شأنها مع الجانب الفلسطيني). وانتقد الاتحاد الأوروبي السياسة التوسعية الإسرائيلية وحذر إسرائيل من مغبة تنفيذ مشروعاتها الاستيطانية الجديدة. وردا على الانتقادات الدولية قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: إن حكومته ستمضي قدما في خطة توسيع المستوطنات اليهودية، وقال جيفري فيلتمان نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية إن (البناء الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية يخرق القانون الدولي). وأضاف (إذا نفذت إسرائيل هذه الخطط فإنها ستمثل ضربة قاصمة للفرص المتبقية لتأمين حل الدولتين) ثم حث الحكومة الإسرائيلية بقوة على الامتثال للدعوات الدولية واسعة النطاق للتخلي عن هذه الخطط. ومن ناحية أخرى، أعلن متحدث باسم رئاسة السلطة الفلسطينية (أن إعلانات الحكومة الإسرائيلية المتتالية لبناء مزيد من المستوطنات في أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وبما فيها القدس الشرقية، سيؤدي حتما في حال تنفيذه إلى تقويض حل الدولتين وإفشال الجهود الدولية للتوصل إلى سلام شامل وعادل في المنطقة). وأضاف: (أن برنامج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يعتمد على تكثيف الاستيطان سيقود إسرائيل حتما لمشروع الدولة الواحدة). وحذر بأنه (إذا ثبت لنا أن إسرائيل ماضية في برنامجها لتنفيذ ما أعلنته أخيرا من مشاريع استيطانية جديدة، فإن دولة فلسطين ستتخذ كل الوسائل المتاحة للرد على ذلك). وحذر مجلس جامعة الدول العربية في ختام اجتماعه غير العادي الذي عقد يوم الأحد 23/12/2012 المجتمع الدولي من مغبة المخاطر الجسيمة جراء استمرار السياسات الإسرائيلية العدوانية والتوسعية الهادفة إلى تغيير البيئة الجغرافية والطبيعة الديموغرافية للأراضي الفلسطينية المحتلة، واعتبر المجلس هذه الإجراءات والممارسات بمثابة عدوان صارخ على الدولة الفلسطينية المحتلة، يرقى إلى جرائم الحرب، ويتطلب متابعة سلطات الاحتلال قضائيا من قبل المؤسسات القانونية الدولية. ومن جانبه، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن فلسطين يمكن أن تلجأ إلى المحكمة الجنائية الدولية بخصوص مشروع إسرائيل بناء وحدات استيطانية جديدة في القدس الشرقية. وأضاف (لا نميل أبدا للجوء إلى هذه الطريقة، لكن إذا أصرت إسرائيل على مشروعها غير المقبول، فيمكن حينئذ أن نلجأ إلى وسائل أخرى). وهنا لنا وقفة للتعليق فنقول ما يلي: 1- إن من القواعد المستقرة في القانون الدولي العام أنه لا يجوز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ويعتبر الاحتلال الناشئ عن استخدام غير مشروع للقوة جريمة ضد السلام تعرض مرتكبيها للمساءلة والمحاكمة سواء أمام قضاء وطني أو قضاء دولي. 2- سبق أن صدرت قرارات عديدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن تدين بناء المستوطنات الإسرائيلية والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتهويدها. وطالبت إسرائيل بالكف عن هذه الممارسات المخالفة للقانون الدولي. 3- إن نظام المحكمة الجنائية الدولية عدّد الممارسات التي تعتبر من جرائم الحرب منها (قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها). وهذا النص ينطبق تماما على الممارسات الإسرائيلية. 4- إن نظام المحكمة الجنائية الدولية حصر الجهات التي لها حق إحالة الحالات والوقائع التي تتضمن جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في ثلاث جهات، هي: الدولة الطرف، أي المنضمة إلى اتفاقية إنشاء المحكمة، المدعي العام في المحكمة، مجلس الأمن الدولي، وذلك وفقا لقواعد وإجراءات محددة. 5- إن مجلس الأمن الدولي استخدم سلطة الإحالة إلى المحكمة ضد السودان بشأن قضية دارفور، لكنه لم يجرؤ على استخدام هذه السلطة ضد إسرائيل بشأن جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، خصوصا جريمة مصادرة الأراضي الفلسطينية وإقامة المستوطنات اليهودية عليها، وهي جريمة مستمرة تكاد لا تبقي ولا تذر شيئا ذا بال من أراضي الضفة الغربية وعلى نحو يجعل إقامة الدولة الفلسطينية أمرا مستحيلا. 6- إن المسؤولين الإسرائيليين يعلمون أن إقامة المستوطنات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة تعد انتهاكا صريحا لأحكام القانون الدولي، لكنهم لا يعبأون بهذا القانون، بسبب استمرار المجتمع الدولي في تخاذله وتقاعسه عن اتخاذ إجراء قوي وحاسم يخضع إسرائيل للقانون ويحيل قادتها إلى القضاء الدولي الجنائي لمساءلتهم ومعاقبتهم عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها ضد الشعب الفلسطيني.
إنشرها