كانت وزارة الاقتصاد والتخطيط قد عقدت ندوة كبرى عن دور القطاع الخاص في التنمية، في معرض إعدادها خطة التنمية الخامسة، التي شارك فيها ممثلو القطاع الخاص والجهات الحكومية ومؤسسات وجهات محلية وإقليمية ودولية، وقدمت فيها أوراق عمل كثيرة ناقشت مشاركة القطاع الخاص في التنمية أو تشغيله.
مضى على هذه الندوة ربع قرن، وما زال السجال حول دور القطاع الخاص في التنمية عالقا بمدى انخراط هذا القطاع في صناعة التنمية ونسبة أقيامه المضافة فيها ونوعها، وسجلت هذه السنوات تحديين واضحين أمام هذا القطاع: تمثل الأول في موقعه الفعلي من التنمية ومراوحته بين المشاركة والتشغيل، وتمثل الآخر في دوره في السعودة.
ورغم التسهيلات الجمة التي قدمتها الدولة لهذا القطاع في تخفيف العبء عنه سواء في الرسوم أو تقديم الأراضي أو تسعيرة الكهرباء أو تيسير الاستقدام، فضلا عن الدعم بالقروض ومميزات الاستيراد والتصدير، فقد بدا أن هذا القطاع لم يستطع سوى البقاء في منطقة المشاركة والتشغيل في أعمال التنمية البسيطة المستوى والتقليدية في الأداء والمنتج سلعة، كانت أو خدمة وبالاعتماد الكلي على الإنفاق الحكومي، فهو بالكاد يبادر إلى مشاريع نوعية صناعية تقنية حديثة من تلقاء نفسه وبتمويله الخاص .. وبما يعطي انطباعا غير مريح بأن هذا القطاع غير قادر على الانخراط العميق لخلق قطاع إنتاجي كفؤ، وخلق قوة عمل وطنية سعت الدولة إلى تشجيعه عليها بآليات مادية ومؤسسية.
خلال خطتي التنمية الثامنة والتاسعة توسعت الدولة إلى حد هائل في كم المشاريع والتمويل الضخم وتهافت هذا القطاع على استقبال هذا الإنفاق، لكن بدا واضحاً أنه - رغم منشآته وتجربته - غير قادر على الاستجابة لعديد من المشاريع النوعية، فقد حال المستوى التقني في القطاع الخاص دون إمكانية تنفيذه هذه المشاريع، لتواضع ميكنة التصنيع والتقنية في منشآته .. يدلل على ذلك مواويل الشكوى من الشركات الأجنبية، إلى جانب تعثر المشاريع في إعلامنا.
إن القطاعات الخاصة في العالم في معظمها كانت تسجل مواقف حاسمة في صناعتها للثروة وتبني مشاريع نوعية والمبادرة إليها بجهودها وأموالها الخاصة، وإذا ما أسندت إليها دولها مهام مشاركة أو تشغيل، فإنها تستثمر هذا الاسناد لتعميق قدراتها لمنافسة الدولة نفسها على قيادة صناعة التقدم في مختلف المجالات الصناعية، حتى أنه يمكننا القول إن كثيرا من الدول في العالم، كانت مدينة في تطورها وتقدمها وقوتها الاقتصادية في الأساس للقطاع الخاص أكثر منها لحكوماتها، بل إن أموال القطاعات الخاصة فيها هي إلى حد كبير الممول للدول ذاتها من خلال الضرائب وتشغيل القوى الوطنية وطرائق استدامة الثروات الوطنية الطبيعية، أما في حالتنا فما زال القطاع الخاص في معظم انشطته يعيش على الإنفاق الحكومي والتسهيلات، كما يلام على التملص من السعودة ..
لسنا في وارد المرافعة عن القطاع الخاص في اعتماده على الإنفاق الحكومي أو في تململه من السعودة، لكن علينا أن نعود بالحديث إلى ما بدأنا هذه الكلمة به عن محدودية مستوى منشآت القطاع الخاص صناعياً وتقنياً، وأن ذلكم هو ما يحول دون أن تصبح معظم منشآت القطاع الخاص قابلة لتوليد فرص عمل نوعية تتسق مع مخرجات التعليم العالي في الداخل والخارج، ما يجعلها حالياً محدودة السقف للاستجابة للسعودة التي لم تعد قواها متواضعة المهارة بسيطة التعليم، بل إن منشآت القطاع الخاص فيما يخص نوع فرصها الوظيفية الراهنة غير قادرة على أكثر مما هي عليه، فسقف أعمالها لا يسمح بما نتطلع إليه في مجال السعودة .. وهي كي يمكن أن تصبح حقل توظيف دائم لا بد من العمل في اتجاهين؛ الأول: أن يتولى الصندوق الصناعي الترقية التقنية لهذه المنشآت .. والثاني: أن تقود الدولة بنفسها عملية تنويع القاعدة الاقتصادية (الإنتاجية) بمشاريع عملاقة كبرى ...
هذان التوجهان سيؤديان إلى انخراط هذا القطاع في الاستثمار في عمل نوعي، بدل أن يظل مستمرئاً أنشطة تجارية أو خدمية أو استهلاكية، إن قدمت الربح الوفير والسريع له، فهي لن تعمل أبدا على خلق قاعدة إنتاجية، ولن تحقق تنمية مستدامة هي الهدف والغاية، التي لا يكون معها مطروحاً الحديث عن السعودة.. وهو توجه وجد سابقا ترجمة له من قبل الدولة في عدد من الشركات الحيوية الناجحة جدا .. وهذان الاتجاهان سوف يأخذان القطاع الخاص من طور الاعتماد على الإنفاق الحكومي إلى صناعة اقتصاد يوفر مصادر غير ناضبة للإنفاق، تستدام به التنمية وتتجذر عمليا بين هذا القطاع والدولة.
