الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 3 مارس 2026 | 14 رَمَضَان 1447
Logo

قفزات مطلوبة في التعليم العالي في الخليج

أحمد البابطين
أحمد البابطين
الجمعة 7 ديسمبر 2012 4:15

ليس بالضرورة أن تشكل حداثة التعليم العالي في الخليج العربي، عائقاً أمام تحقيق قفزات نوعية في هذا المجال، خصوصاً إذا كانت هناك استراتيجية لا تستند فقط إلى الإنفاق الحكومي والخاص على التعليم، بل - أيضاً - تضع مخرجاته في قلبها. فمع بداية الاهتمام الحكومي في الخليج بالتعليم العالي، ظهرت فجوة هائلة بين الحراك التعليمي ومخرجاته، وسيطر هَمِّ الحصول على الشهادة العليا، أكثر من سيطرة هَمِّ متطلبات العمل.. بمعنى أن الأهمية ذهبت للشهادة، لا لكيفية استثمار الشهادة في التنمية الواجبة، خصوصاً في ظل وجود ضمانات (غالباً حكومية) بتوفير فرص العمل، من منطلق حتمية تشغيل الخريج المواطن، لا الاستفادة منه. فالناتج كان ببساطة بطالة مقنَّعة، لم تلبث حتى المؤسسات الحكومية أن بدأت التعبير عن الامتعاض منها.

وإذا نظرنا إلى تجربة دولة حديثة كسنغافورة، نجد أنها اختصرت الزمن بالفعل على صعيد التعليم العالي والتحصيل العلمي بشكل عام. بل تحولت هذه الدولة إلى مُصدِّر للخبرات التعليمية، حتى إلى الدول الأكثر رسوخاً وعمراً ونضجاً. فلم تقف حداثة الدولة في طريق الاستحقاقات التعليمية، خصوصاً عندما يكون القطاع التعليمي المحرّك الرئيس للبناء والتنمية والإعمار، والضامن الأول للنمو المستدام، لا الموسمي ولا الارتجالي. ولعل من أهم الجوانب التي نجحت فيها الاستراتيجية التعليمية في سنغافورة، المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، والقطاعات التي تشكل في مجموعها اقتصاد البلاد. وهذا ما جعلها الدولة الوحيدة في العالم، التي لا يوجد فيها خريجون متعطلون. وإن وُجدوا من جرّاء أزمة عامة عابرة، فإن نسبتهم لا تُذكر.

ومن خلال هذه التجربة، يمكن التأكيد على أن حداثة التعليم (بل حتى حداثة الدولة)، لا تشكل بالضرورة عائقاً أمام التقدم السريع في هذا المجال. في منطقة الخليج، ارتبط التعليم العالي بمعايير الاقتصاد الريعي، ولكن مع بدء التحول إلى الاقتصاد الكلي في هذه المنطقة، تأثر التعليم ومخرجاته إيجابياً، على الرغم من بطء هذا التحول، الذي أصبح مطلباً استراتيجياً. وتحسنت اختيارات المبتعثين، لتصبح أكثر نوعية مما كانت عليه. فلا يُعقل مثلاً (كما كان يحدث في السابق) الموافقة على ابتعاث طالب لدراسة الأدب العربي في بريطانيا أو فرنسا! لقد كان هذا يحدث بأشكال مختلفة تدعو إلى السخرية. ومع ازدياد عدد الجامعات الأجنبية الكبرى الرصينة في منطقة الخليج، باتت الخيارات أفضل، وأقل تكلفة، دون أن ننسى أن جامعات أجنبية هي أشبه بالبقالات، وجدت الفرصة مواتية لها لكي توجد في المنطقة، غير أن وجودها لا يدوم طويلاً، خصوصاً في ظل رقابة تعليمية متصاعدة، وشروط صارمة يجب أن تنطبق على الخريج للحصول على فرصة العمل.

لن تُجاري منطقة الخليج (رغم الاهتمام الحكومي الكبير بالتعليم فيها)، القفزات التي حققتها سنغافورة في مدة قصيرة على صعيد التعليم، لكنها من خلال تشريعات متجددة، ورقابة قوية دائمة، وإنفاق رشيد، ومواءمة مُحكمة بين احتياجات التنمية ومخرجات التعليم، وحسم واقعي في مجال التوظيف، يمكنها أن تحقق بعض القفزات الضرورية. تضاف إلى ذلك، ضرورة التعلم من التجارب العالمية الأخرى في مجال التعليم العالي. لقد بدأت - على سبيل المثال - بعض الجامعات في المملكة، تحظى باعتراف المؤسسات الدولية، لكن حتى هذا الاعتراف، ليس مضموناً تماماً، لأنه يخضع للمراجعة السنوية، وفق معايير تعليمية متجددة، كما أنه يحمّل هذه الجامعات مسؤولية كبيرة على صعيد الاستدامة.

وإذا كانت الاستراتيجية الناجحة تحتم وجود تعليم عالٍ محلي فائق الجودة، فإن اختيار المؤسسات التعليمية الأجنبية ينبغي أن يكون عالي الجودة أيضاً، خصوصاً مع موجة اندفاع هذه المؤسسات باتجاه المنطقة بأسرها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية