قد لا يكون العنوان أعلاه مصيبا من حيث العلاقة التفاعلية بين الاقتصاد والسياسة وتلازم مسارهما المفترض.. غير أن المتغيرات والتطورات فضلا عن الصراعات التي يمر بها المجتمع البشري في كل فترة من فتراته التاريخية، تشير في كثير من مفاعيلها إلى نتائج ملتبسة لا يمكن معها، حيناً، الجزم بما إذا كان الاقتصاد هو القائد أم السياسة، بينما يبدو في حين ثان لهاث السياسة لخدمة الاقتصاد وتوفير كل ما يمنحه القابلية للنمو والازدهار وفي حين آخر يحدث العكس، حيث يطأطئ الاقتصاد هامته ويسير هائما على خطى السياسة.
ذلك لا يحدث تلقائيا وإنما تحت هيمنة الأيديولوجيا أو هوى حكومة الدولة.. وفي الحالة الأيديولوجية سواء كانت رأسمالية أو سواها يصل فيها الاقتصاد والسياسة إلى مواجهة نفسيهما وجها لوجه حين تفشل الآليات السياسية في خلق اقتصاد بصبغة معينة أو تفشل الآليات الاقتصادية في وضع الفعل الاقتصادي في يد السياسة، الأمر الذي إما أن يفضي إلى انهيار الدولة كما حدث لروسيا السوفياتية، وإما يغرقها في كساد اقتصادي أو أزمة اقتصادية كما حدث لأمريكا في 1928 وفي 2008، والاتحاد الأوروبي.. بل العالم.
وإذا كانت الأدلجة المتطرفة على الطريقة الاشتراكية في إزاحتها لخاصية الحافز الفردي الإنساني والإصرار على دمغ الذهنيات والقدرات الذاتية بمسطرة قسرية وإخضاع الكل لهيمنة عقل الحزب وكهنوت الدولة، وأن ذلك قد كتب نهايته بيد الواقع، ما بقي منه أشبه ما يكون بشاهد قبر لاقتصاد سياسي كان.
على الجانب الآخر، استثمرت الاقتصادات الرأسمالية مقولات ماركس وسواه ليس على سبيل الاستنساخ لها وإعادة إنتاجها، وإنما بتأهيل آليات الاقتصاد الرأسمالي لعملية تهجين وتلقيح تنزع عن الرأسمالية مزالق التطرف في الاحتكار والهيمنة، في مقاربة عملية أقصت فيها أصابع الديناميت عن سوق العمل أو قوة العمل، لكيلا يمارس الإحساس بالظلم والغبن دوره المدمر في النفوس، فاكتسبت النقابات والاتحادات واللوائح الحقوقية والاجتماعية صياغات لمصلحة العامل وصاحب العمل، في ظل مسار يعاد تصحيحه في كل حين، ومنها ما يحدث اليوم من تشريعات وإجراءات وقرارات اتخذت من أمريكا والاتحاد الأوروبي للخروج من الأزمة.
عربيا تكاد تكون سمة الالتباس في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة هي الغالبة على مدى أكثر من نصف قرن.. فقد ظل حصاد التنمية العربية زهيدا ومخرجاتها ديكورية وشكلانية واستنزفت ثرواته البشرية والطبيعية في حالة تشوش وتخبط وتميع، من جراء عشوائية التخطيط والذاتية في القرارات تحت وطأة البعد السياسي، المكتفي بالتجمل في العلاقات الدبلوماسية حينا للحفاظ على مصالح أحزاب وعساكر لانعدام الرؤية أو اللامبالاة في أهميتها والاستعاضة عنها بالمعالجات الوقتية.. ومثلما حسم طغيان السياسة الأيديولوجية في روسيا السوفياتية لمصلحة الاقتصاد، حيث روسيا تعيد منذ ربع قرن ترتيب بيتها لتلازم مساري الاقتصاد والسياسة، فيما لبس الحزب الشيوعي في الصين قبعة رجل الأعمال وربطة عنق المصرفي، فخطت كل من روسيا والصين خطوات في النمو الاقتصادي، لكن اقتصادات الدول العربية ما زالت في التباسها على النحو الذي أشرنا إليه، فلا هي ترسمت طرقاً خاصة بها، ولا أفادت من تجارب الأمم، فضلا عن إصرار غامض عجيب على الاعتصام بسحر ماض، لم يكن فيه للاقتصاد ولا للسياسة من طروحات تناسب هذا العصر.. وهل يقاد الحاضر للمستقبل بالماضي!
