في نهاية النصف الأول من القرن الميلادي الماضي ولد صالح بن حميد في بريدة تحديدا سنة 1369هـ، وفي مكة المكرمة برز كخطيب مفوه ذي صوت جهوري واضح له جرس خاص، وفي الرياض جلس على كراسي عدة متبوئا مناصب حساسة في أجهزة الدولة السعودية التشريعية، بدءا من العشرية الجديدة للقرن الجديد، وفي ربيع عام 2012 اختار الرحيل من صخب المناصب، فاختارته الإرادة الملكية لشغل منصب المستشار في الديوان الملكي.
هو ''فقيه ضليع وخطيب بارع وأستاذ جامعي مرموق وشخصية اجتماعية محبوبة'' كما يجمل ذلك في شخصية ''ابن حميد'' الأستاذ الدكتور غازي غزاي المطيري أستاذ كرسي الأمير نايف لدراسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة الذي يضيف: ''إن ابن حميد وجّه تلك الطاقات لخدمة بلده ودينه وأمته، وإن اعتزال الشيخ عن الحياة العملية يمثل خسارة كبرى لا يمكن تعويضها، ومن هنا كان حرص القيادة الحكيمة للاستفادة من خبراته ليكون في معدن القرار من خلال عمله كمستشار''.
هو ''من قلة في البلاد استطاعوا الجمع بين المزايا الإبداعية في جوانب عديدة من العلوم والآراء مع الحفاظ على الجذور الأصيلة التي حافظت على هوية المملكة'' يضيف الأكاديمي المطيري الذي عرف الشيخ الدكتور ابن حميد عن قرب في لقاءاتهما المتعددة التي جمعتهما في المحيط الأكاديمي أو في المناسبات الدعوية، إلا أن آخرين يرون في ''ابن حميد'' شخصية لم تخرج عن المألوف في أبرز منصبين تولى رئاستهما، وهما مجلسا الشورى والقضاء الأعلى.
ربما تكون لشخصية ابن حميد المحافظة والهادئة أثر كبير في إدارته المناصب التي تولاها، فالرجل الذي ينتمي لعائلة علمية عريقة، ظل طوال سني تحصيله الدراسي متأثرا بجو ديني علمي أقرب إلى حياة قدامى العلماء الشرعيين في العصور المتقدمة، متأثرا - كما يقول هو عن نفسه في محاضرة في الجامعة الإسلامية قبل أعوام - بوالده ''الكفيف'' ذي الذاكرة الحديدية وفقا لما ينقل عنه الإعلامي والكاتب عبد الله الجميلي الذي يضيف: ''بدا أن الشيخ ''ابن حميد'' كان متأثرا كثيرا بوالده ''المبصر'' الذي كان يتعرف على الأشخاص بمجرد سماع أصواتهم، لذا كان حديثه الودي في منبر الجامعة الإسلامية، متركزا على تلك الفترة التي عاشها في قلب نجد وعرف فيها أبجديات الحياة البسيطة، وأساسيات علوم الدين''. إلا أن عضو مجلس الشورى الدكتور محمد بن زلفة الذي زامل الشيخ ''ابن حميد'' في دورات ثلاث للمجلس يجد تفسيرا لتناقض الرأيين حيال ''العالم الجليل والرجل النبيل'' كما يقول ابن زلفى عن زميله السابق الشيخ صالح بن حميد، واصفا إياه بالحكيم ذي الأخلاق العالية والأدب الجم.
يقول الدكتور آل زلفة عن معرفته بابن حميد: ''عرفته زميلا في الشورى لدورة كاملة، ثم رئيسا للمجلس لدورتين، عرفته بخلق نبيل وتواضع جم، رجل لم أسمع منه كلمة نابية، ولم أشاهده يوما يوبخ أحدا، وعرفته في رحلات برلمانية متعددة، فكان خير سفير لخير بلد، عرفته في الجزائر فعرفت فيه الأخلاق العالية والعلم الواسع واللطف المتناهي''.
ألا أن ابن زلفة يركز على اللطف المتناهي في كونه كان يشفق عليه من هذا اللطف الذي يمثل عبئا ثقلت معه أعباء مرفق صعب كمجلس القضاء، ما سرع في عدم احتمال الرجل لأعباء مجلس يعج بالصلاحات التي أمر بها الملك لتيسير أمور الناس وهي إصلاحات تحتاج الكثير من التعب على تحمل القدرة على التغيير.

