الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

قطعت المملكة أشواطا مميزة في إنجاز البنية الأساسية من شبكة الطرق إلى الاتصالات إلى غيرهما من المرافق والخدمات المساندة.. وهي كلها دعائم للارتقاء بالعمليات التنموية الحقيقية في قطاع الإنتاج الذي تستهدفه خطط التنمية لكي يحقق توجهها العتيد نحو تنويع القاعدة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على النفط.

وإذا كانت قد نشأت خلال العقود الماضية صناعات تحويلية مميزة كالبتروكيماويات وصناعة الغاز والتكرير وبرزت في هذا الاتجاه شركتا أرامكو وسابك ومشاريع الجبيل وينبع وبعض مصانع الحديد والأسمنت، فإن السؤال الذي يبرز هنا هو: إلى أي مدى استطاعت التنمية تحقيق هدف تنويع القاعدة الاقتصادية؟

في هذا الإطار يمكن النظر إلى المدن الاقتصادية كتوجه استراتيجي لمصلحة مسار التنويع ووجود جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية إلى جانب مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وإنشاء مزيد من الجامعات تستهدف العلوم والتقنية والبحث العلمي.. يمكن النظر إلى أن كل ذلك أيضا بُعد إجرائي سواء ما كان قد سبق إنشاؤه أو ما لحق، ومن المفترض أنه محفز عملي في اتجاه الإسراع في التنويع للقاعدة الاقتصادية التي ظلت ''مقولة'' يعاد إنتاجها مع كل خطة من خطط التنمية.

نعم.. السؤال البارز.. هو: إلى أي مدى استطاعت التنمية تحقيق هدف تنويع القاعدة الاقتصادية؟ فالخطوات التي تم إنجازها في مسار التصنيع والتقنية، ورغم ما أشرنا إليه في هذا المجال، لا يمكن اعتبارها برهانا على أن التنويع المطلوب قد تحقق.. إذ هي نماذج في التنويع بات عمرها ثلاثة عقود وأكثر، وما زال واقعنا الصناعي والتقني لم يحرز إنجازات إضافية بهذا الحجم وظللنا أسرى هذا التحقق، وكان التطلع وما زال هو أن نرى مشاريع صناعية وتقنية نوعية تحقق فيها تمنياتنا اختراقات تليق بحجم اقتصادها وثراء مواردها الطبيعية وتستثمر امتيازاتها النسبية سواء في تلك الموارد أو في موقعها الجغرافي واستقرارها أو في النسبة الشابة العالية من سكانها التي تقارب 65 في المائة.

إن هذا التنويع هو الضمانة العملية لكي تتحول الثروة إلى أصول إنتاجية، ولكي يصبح النفط كمورد لتمويل عمليات التنمية إضافة لا معتمدا رئيسا في عملية صناعة التقدم والتنمية المستقبلية.. وحتما هذا يستدعي رؤية لما ينبغي أن يكون مجال التنويع فيه، أي المجالات التي توظف فيها المدخرات الراهنة لإنتاج اقتصاد حقيقي وليس خدمات ترفيهية أو صناعات استهلاكية وتجارة واستيرادا.. وهذه الرؤية قد يكون المجلس الاقتصادي الأعلى الأولى بأن يضعها بناءً على خبرة وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة التجارة والصناعة والمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب التقني ومدينة الملك عبد العزيز وجامعة الملك عبد الله ونخبة من أساتذة الاقتصاد والعلوم التطبيقية في جامعاتنا.. وطبعا في ضوء الاسترشاد برؤى دول أحدثت نقلة هائلة في هذا المجال مثل ماليزيا وسنغافورة وغيرهما.

إن ما تم إنجازه على طريق التنويع في ''أرامكو'' و''سابك'' ومن خلال ما استهدفته المدن الاقتصادية أو مشاريع هيئة المدن الصناعية يحتاج إلى إطار شامل يجمعها للمراجعة الشاملة لمعرفة ما تم وما لم يتم، والتعرف على الثغرات والاختلالات ونمط الإدارة والتمويل والمتابعة.. وقد تكون هذه المراجعة أرضية فعلية للمعاينة والدرس يبرز من خلالها بعد التمحيص والمراجعة ما ينبغي أن يتم عمله.. أي ما هي الصورة الفعلية التي نريد أن تكون عليها المملكة بعد ترجمة هذه الرؤية إلى عناصر ومكونات هذا التنويع لقاعدة اقتصادية كانت وما زالت هي الغاية الاستراتيجية؛ إذ دون حدوث هذا التنويع فإننا نهدر فرصة تاريخية معطياتها اليوم شديدة الحفز والدعم، بل الجذب لمستثمر أجنبي نحدد له مكانة في رؤيتنا لكي يكون عامل توطين وتشغيل وإثراء لهذا التنويع وحراكه.

إن التنويع الذي ظل بطيء الإيقاع يحتاج إلى تسريع يحافظ في تسارعه على الجودة والنوعية، وإن هذا التنويع هو سبيلنا لاقتصاد ثري التنوع يفتح المدى لاستيعاب فرص العمل الحالية المطلوبة وفرص العمل المستقبلية، خصوصا وآلاف المبتعثين وكذلك آلاف الخريجين من جامعاتنا سيكونون نواة الخبرة التي تكفل تجدده ونموه وتكفل توسعه وتطوره.. لكن متى وكيف نفعل ذلك؟!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية