أسعار الفائدة المنخفضة من بنك الاحتياطي الفيدرالي مصممة ليكون لها أثر إيجابي مزدوج: مساعدة الاقتصاد والجهات المدينة. لكن هناك جانباً مظلماً لهذا التقشف يتمثل في استمرار تشديد الضغط على المدخرين، وعلى الخطط التقاعدية للشركات، وعلى المستثمرين الآخرين الذين يعتمدون على عوائد المداخيل الثابتة.
هذا الأسبوع فاجأ الاحتياطي الفيدرالي كثيراً من المستثمرين عبر تمديد العمل بسياسة سعر الفائدة القريب من الصفر إلى نهاية عام 2014، بدلا من منتصف 2013.
يمكن أن ينطوي ذلك على ما مجموعه ستة أعوام من الأسعار المنخفضة، لأن الاحتياطي الفيدرالي خفض تكاليف الاقتراض لليلة واحدة حتى العظم في أواخر عام 2008. ومن المؤكد أن يأمل المرء في أن يتمكن اقتصاد الولايات المتحدة من الوقوف على قدميه أخيراً بعد هذه الفترة الطويلة من أسعار الفائدة ''الطارئة''.
في ظل غياب التدابير الضريبية والمالية التي يمكنها أن تصلح الاقتصاد، وفي النهاية تعززه، تتبقى للاحتياطي الفيدرالي مهمة محاولة إصلاح خطر قروض الرهن والدين الناشئ عن فقاعة الائتمان بواسطة الأموال الرخيصة.
إن إيضاح الاحتياطي الفيدرالي للسياسة المستقبلية يبين بجلاء أنه لا يريد أن يرتكب خطأ العامين السابقين ويبدأ في توقع حدوث تعاف مستدام. وبدلاً من ذلك، يبدو مهيأ كي يظل ''تكيفياً إلى حد بعيد'' إلى أن يقتنع تماماً بأن الاقتصاد وصل سرعة الإفلات.
هذا الحذر مبرر لأن نمو الولايات المتحدة في الربع الرابع كان أضعف قليلاً من المتوقع، مع كون النشاط مدفوعاً بصورة رئيسية بالمخزونات، الأمر الذي يوحي بأن الاقتصاد سيتباطأ في وقت مبكر هذا العام. كذلك تعتبر مشاكل ديون منطقة اليورو والشكوك بشأن الاقتصاد العالمي أحداثاً تنطوي على مخاطر كبيرة هذا العام. من هنا يأتي اعتماد الاحتياطي الفيدرالي على إبقاء أسعار الاقتراض لليلة واحدة قريبة من الصفر وشراؤه لسندات الخزينة ذات الأجل الطويل، لإجبار الناس على الخروج من المدخرات والدخول في الأصول الخطرة بهدف تعزيز الإنفاق الاستهلاكي في نهاية المطاف.
لكن موقف السياسة هذا يقترن بتكاليف كبيرة. بداية، الرسالة الإجمالية الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي ليست نعمة بالنسبة لثقة المستثمرين. ففي يوم الثلاثاء، قال رئيس مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي، بن بيرنانكي، إنه على استعداد للكشف عن جولة ثالثة من التسهيل الكمي، في وقت متأخر من هذا العام، إذا تطلب الاقتصاد مزيداً من المساعدة.
وكما رأينا في جولتي التسهيل الكمي الأولى والثانية، فإن إعطاء هذا الدواء يشوه أساسيات الاستثمار، لأنه يحقق للأسواق فترة هدوء قصيرة. ويعتبر التسهيل الكمي أداة غير ناجعة إطلاقا، لأنه يشجع الإقدام على المخاطر في أوساط المضاربين، في حين أن كثيراً من الشركات والأسر تستعد للمتاعب، لأن ارتفاع تكاليف السلع الناجم عن مخاوف التضخم يلحق بها ضرراً شديداً.
ففي أقل من 24 ساعة بعد انتهاء اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لتحديد السياسة التي سيتبعها، قفز مؤشر ستاندار آند بورز 500 بنسبة 1.5 في المائة ودخل في سوق صاعدة، بعد أن ارتفع بنسبة 20 في المائة من أدنى مستوى وصل إليه في تشرين الأول (أكتوبر)، فقط ليعاود الانزلاق إلى ما دون ذلك المستوى. وفي ضوء سخاء البنك المركزي الذي جاء على شكل أموال رخيصة وعمليات شراء للأصول التي تشكل الدافع الرئيسي للأسهم والسندات والسلع، ليس من المفاجئ أن يظل المستثمرون متشككين في الأداء المستقبلي للاقتصاد والأسواق.
لكن التكلفة الأكبر هي الكيفية التي تسحق بها أسعار الفائدة المنخفضة المتقاعدين، وصناديق أسواق المال، والصناديق التقاعدية، وشركات التأمين التي تدير مطلوبات طويلة الأجل تقتضي عوائد أعلى بكثير مما هو معروض.
وبالأمس تحدثت شركة هوني ويل الأمريكية التي تعمل في العديد من الصناعات عن تكبدها خسائر في الربع الرابع بسبب تكاليف خطتها التقاعدية. وتواجه شركات كبيرة أخرى لديها خطط تقاعدية موروثة عن شركات مفلسة وكذلك العديد من حكومات الولايات والحكومات المحلية، تحدياً في محاولتها الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة إلى هذا الحد. وهذا يترك شركات التأمين والصناديق التقاعدية أمام خيار يتمثل في تدني مستوى تمويل التزاماتها المستقبلية أو المجازفة بالانتقال إلى استثمارات أكثر خطورة بحثاً عن عوائد أعلى.
يأتي هذا التقشف في أسعار الفائدة أيضاً في وقت تبلغ فيه الموجة الأولى من طفرة مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية سن التقاعد في عام 2012.
ويقول أندرو لو، أستاذ كرسي مجموعة هاريس آند هاريس في معهد ماساتشوستيس للتكنولوجيا: ''لدينا عدد كبير من المتقاعدين الذين يعتمدون على المداخيل الثابتة، وهم يشعرون بأنهم أكثر فقراً وأقل ميلاً للصرف''.
ولأن الاستهلاك يعتبر دافعاً رئيسياً للاقتصاد، فإن أسعار الفائدة المنخفضة تعمل من الناحية الفعلية ضد التعافي المستدام، كما يقول البروفيسور لو، مضيفا: '' هذه هي المشكلة المحيرة التي نواجهها الآن.''
وبالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة لمدة طويلة'' هو السبيل الوحيد، لكنه سلاح ذو حدين يعيق أيضاً قدرة الاقتصاد على توليد تعاف مستدام.
