الأربعاء, 16 سبتمبر 2026|3 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

قليل من المسؤولين في هذا العالم، الذين يلزمون أنفسهم بمجموعة من المشروعات والخطط الاستراتيجية، بعد أن يصلوا إلى مناصبهم ويحتلوا مواقعهم، ووزير الاقتصاد والتخطيط الدكتور محمد الجاسر هو واحد منهم. غالبية هذه القلة من المسؤولين يحاولون التقليل من هذه الالتزامات قدر الإمكان، ولكن الأمر ليس كذلك مع الدكتور الجاسر، الذي إذا ما نفذ كما يخطط ويعمل، الالتزامات والأولويات التي أطلقها، فإن الاقتصاد السعودي سيحقق دفعة في الصميم، وستتعزز فيه الاستدامة، وسيشهد مزيدا من النمو، وسيؤسس للعديد من الانطلاقات المستقبلية التي تفرضها التطورات الاقتصادية المحلية والعالمية. مع الأخذ في الاعتبار أن الأمر ليس سهلا، ولكنه ممكن، وضروري الآن أكثر من أي وقت مضى، خصوصا في ظل الاستحقاقات الاقتصادية الشاملة، سواء المحلية منها، أو تلك التي تفرضها تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية، وإن كانت آثارها هي الأقل على الإطلاق في المملكة مقارنة ببقية دول العالم.

نعم، يحتاج اقتصاد المملكة إلى التنويع، وهذا التنويع لا يمكن أن يأتي بمعزل عن إعادة صياغة قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل ما يقرب من 93 في المائة من إجمالي المشاريع المحلية، بينما لا تستوعب سوى 24.7 في المائة من مجموع القوى العاملة في البلاد. إن هذا المرتكز - الأولوية، يصب في مرتكز آخر أعلنه وزير الاقتصاد والتخطيط، وهو توفير الفرص الوظيفية التي تمثل إحدى الركائز الأساسية لأي اقتصاد كان، وتفتح المجال أمام التنمية المستهدفة في المملكة، كما أن تنويع القاعدة الإنتاجية يسهم بصورة مباشرة في الاستدامة، التي يفتقر إليها العديد من دول المنطقة. هذا التوجه يتطلب إشراك المزيد من الجهات السعودية الكبرى في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فهي حتى الآن لا تتعدى 15 جهة محلية، تسهم بصور متفاوتة في هذا القطاع المحوري. ومن الأهمية بمكان تشجيع المؤسسات والشركات الأجنبية العاملة في المملكة، لمشاركة أكثر فاعلية أيضا في هذا المجال.

وعندما يركز الدكتور الجاسر في مخططاته على تطوير النظم والأدوات التحليلية والمعلوماتية، فإنه سيوفر أدوات لا غنى عنها، لصناعة القرار الاقتصادي على الجانبين الحكومي والخاص، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار الرابط الحيوي الذي يجمع هذين القطاعين في المملكة. لقد أصبحت المعلوماتية نفسها قطاعا مساندا لأي اقتصاد يسعى إلى النمو والازدهار؛ لأنه يشكل أساسا في اتخاذ القرار، الذي بدوره يحدد الأداء الاقتصادي بشكل عام.

في ظل هذه المرتكزات الحيوية، لن يشهد اقتصاد المملكة تحولا نوعيا - وحتى كميا - فقط، بل سيعزز بصورة تلقائية مكانة البلاد في الاقتصاد العالمي، وبالطبع في المحافل الدولية، التي أصبحت في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، بمنزلة ''المشرع الاقتصادي''، بعد أن انتهى بالفعل الدور المطلق لـ''المشرعين الاقتصاديين'' التقليديين، أي الدول الكبرى التي سيطرت على المشهد الاقتصادي العالمي لأكثر من ستة عقود. فتعزيز مكانة المملكة على الساحة الاقتصادية العالمية، يعني ببساطة تعزيز دورها في المشاركة في صنع القرار العالمي. ومنذ بداية العقد الماضي، وهذا الدور يتعمق، لكن في الحقيقة لا يزال دون مستوى المكانة الحقيقية للسعودية.

لا شك في أن المرتكزات التي أعلنها وزير الاقتصاد والتخطيط، ستشكل نقلة نوعية للاقتصاد السعودي محليا وإقليميا وعالميا، وستسهم في تطوير هذا الاقتصاد، بما يتناسب مع الاستحقاقات المحلية والخارجية أيضا، كما أنها ستجعل من الاقتصاد الوطني مرنا وقويا في آن معا، يمتلك ''أسلحة دفاعية'' اقتصادية باتت مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى، في وجه أي منعطف اقتصادي عالمي خطر، خصوصا أن مصائب الأزمة العالمية، لا تزال تلقي بظلالها على المشهد العالمي ككل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية