الاثنين, 14 سبتمبر 2026|1 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

أحدثت الأزمة الاقتصادية العالمية منذ عام 2008 هزة في اقتصاد السوق والاقتصاد الحر وأسس الرأسمالية؛ بسبب طغيان السياسة المالية على السياسة الاقتصادية وإعطاء القيادة للبنوك والمؤسسات المالية.. وقد سعت أمريكا وأوروبا إلى معالجات بين تدخل الدولة بالتمويل أو التيسير الكمي أو الضرائب والتقشف؟ وما زال مخاض الخروج من الأزمة بين السلبي والإيجاب، سعى معه الاتحاد الأوروبي إلى إخضاع دوله إلى بنك مركزي تتناغم معه البنوك المركزية للدول الأعضاء في توحيد لسياساتها المالية والنقدية لإنقاذ الاتحاد.

التجربة الأوروبية ما زالت في طور التطبيق ومؤشرات نجاحها لم تسفر بعد عن تحسن ملموس، غير أن هذا المنحى فيما حصل من ارتباك في نسق سياسة السوق يجعلنا أيضا نتساءل عن مدى قيمة التجارب التنموية الآسيوية في ماليزيا وسنغافورة والهند والبرازيل وحتى الصين، وما إذا كانت هذه التجارب التي تضعها التنمية في الخليج مرجعية للاحتذاء بها أو الإفادة منها في وضع خطط التنمية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية.

إن مما لا شك فيه أن تلك النماذج الآسيوية أحدثت تحولات عميقة ونوعية في نمو تلك الدول الاقتصادي، ووضعتها كبلدان ناشئة في مستوى متقدم على الصعيد الدولي، غير أن هذه التجارب أيضا تظل في حاجة إلى نظرة تضع في الاعتبار بأنها ليست إلا ابنة ظروفها المادية والثقافية، بمعنى أن محتواها المعرفي هو حصيلة طبيعة تلك الشعوب بخصائصها في النظر، للعمل والموقف من الحياة والإحساس بالذات، وبالتالي هي نتاج هويتها الثقافية والنفسية والوجدانية بكل ما في هذه الهوية من قيم ومثل وأعراف وتقاليد.. ومن هنا فهي وإن بدت مالكة لقوة التغيير هناك فهي قد لا تكون كذلك في دول الخليج للخصائص الشعبية المغايرة من ناحية، وللخصائص الظرفية المختلفة في نوعية البيئة ومواردها.

هذا يعني أن التطبيق الميكانيكي لتلك النماذج أو لأجزاء من سياساتها قد يحدث عكس ما هو مطلوب ما لم تتم دراسة الواقع الخليجي ومعرفة العناصر والمكونات الشعبية والبيئية التي يمكن أن تستجيب أو لا تستجيب لما في تلك النماذج من سياسات.. فالخصائص السكانية والبيئية هي ما ينبغي أن يستهدفه التخطيط للتنمية قبل تقرير واختيار السياسات التي ينبغي رسم الخطط بناءً عليها.

وفي الخليج، لا نجد حضورا للدراسات الاجتماعية والأنثربولوجية، وإن كانت بيئة المكان مما تم تحديده وتشخيصه جغرافيا وفي موارده الطبيعية.. وبالتالي فتوجيه الاهتمام للدراسات السكانية خليجيا. وليس فقط ممارسة الإحصاء العام للتعداد السكاني والجنس والفئات فيه، هو ما سيمثل الصورة التي عليها مجتمع الخليج من حيث تفاعله وردود فعله واستجابته والمؤثرات فيه.. وإدراك ذلك يتيح لراسمي السياسات الاقتصادية استكشاف الطريق الصحيح في كيفية وضع هذا المشروع أو ذاك البرنامج بما يضمن الحماس له، ويحقق الإنتاجية المنشودة ويجنبه معوقات التراخي في جميع مراحل العمل أو مسار تطوره.

لا تشير المكتبة الخليجية إلى اهتمام واضح بالدراسات السكانية في بعديها الاجتماعي والأنثربولوجي.. وغالبا ما تم التخطيط بناءً على معرفة جغرافيا الوطن والتعداد السكاني، وهما، على أهميتها، لا يوفران الأرضية المعرفية المتصلة بهوية الخليجي في محتواها الفكري والوجداني والسلوكي التي من شأن المعرفة بها وتشخيصها بوضوح أن توفر للتنمية ما يكفل لها أن تتدفق من العقول والسواعد بتلقائية وحماس وإخلاص؛ كونها تلبي طبيعة مكوناتهم الذاتية.. هذه المكونات التي ما زالت لم تستثمر بعد في مقومات التخطيط للتنمية.. وهي إذا ما كان لم يتم الاعتماد عليها في السابق؛ لأسباب عديدة، فنظن أن الوقت والإمكانات المادية والعلمية الراهنة تفرض تكريس الاهتمام بها وتلح عليه، خصوصا أن التجربة التنموية قطعت أشواطا مميزة في الإنجاز، لكن التحولات التي يشهدها العالم على النطاقات الاقتصادية والاجتماعية في عصر ليس تسارع عولمته يزداد وإنما ذكاؤها.. وهو يدخل إلى طور جديد إن كانت الدول المتقدمة تستشرف معالمه، فمن الحكمة، بل والضرورة أن تنخرط دول الخليج أيضا في هذا الاتجاه، في عمل نوعي يصعد بنا إلى تنمية مستدامة على أساس مكوناتنا وخصائصنا في الخليج مواكبين مع هذا العالم المتقدم في استشراف هذا المستقبل؛ كي تكون تنميتنا كذلك مواكبة.. ولتكون مواكبة فلا بد أن تكون في قلب العصر.. وكي تكون في قلب العصر فلا بد أن تكون هوية الخليج مستثمرة في خصائصها الإيجابية إلى أبعد حد في نسق واع لا يحدِث فيها ارتباكا من جراء تجريب هذه السياسة الاقتصادية فيها أو تلك، قبل التوثق من أنها تستنطق أفضل ما لديه من أداء للعمل والإبداع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية