الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 9 مايو 2026 | 22 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

الاقتصاد والمحاسبة .. الأزمة والتلازم

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
السبت 28 يناير 2012 1:22

بين الاقتصاد والمحاسبة علاقة نسب تحولت إلى صراع، فقد ولدت المحاسبة في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي على يد باتشيلو، الراهب الإيطالي الشهير، وولد الاقتصاد في القرن الثامن عشر أي بعدها بثلاثة قرون على يد الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث. في ذلك الزمن البعيد ولدت المحاسبة وولد الاقتصاد خاليين من المنطق الرياضي وكان عليهما العيش بتوافق وانسجام حتى بزوغ فجر القرن العشرين وصياغة المنطق الرياضي على أيدي علماء حلقة فيينا، ذلك المنطق الجديد شغل الاقتصاديين فطوروا أدواتهم ليدخل الاقتصاد عالم العلم وأصبح المشتغلون فيه علماء، بينما تأخرت المحاسبة عن ركب ذلك التطور بنحو نصف قرن حتى أصلح مجموعة من العلماء الأمريكيين ذلك التأخير ''جزئيا''، لكن تلك الفجوة العلمية بين الطرفين استمرت في الاتساع منذ ذلك الحين، وكلما استطاع أحدهما تطوير أدواته خلق صراعا يؤدي إلى أزمات مالية، ولم تكن الأزمة المالية العالمية الحالية بأولها ولن تكون آخرها.

عندما تحدث آدم سميث عن الثروة في كتابه الشهير ''ثروة الأمم'' غردت المحاسبة بتلك الأنشودة في قائمتها الشهيرة ''الميزانية أو المركز المالي''، وعندما فصل الشأن في مشكلتي الدخل والتوزيع رسمت المحاسبة حساب الأرباح والخسائر الذي تحول فيما بعد إلى قائمة الدخل. وإذا كان الدخل عند الاقتصاديين هو ما يمكن استهلاكه مع بقاء الثروة على حالها فقد استجابت المحاسبة لهذه اللغة بقاعدة المحافظة على رأس المال (الثروة) وفصلت بين المالك والمشروع، وطورت مفهوم التخصيص وطرق الإهلاك. وبعد أن تحدث الاقتصاد عن توزيع الدخل على عناصر الإنتاج رسمت المحاسبة قائمة الدخل لتعكس جوهر التوزيع للإيرادات وفق قاعدة المقابلة (أي توزع الإيرادات لتغطية المصروفات التي ساهمت فيها فقط)، وكلما زادت عملية إنتاج الإيرادات تعقيدا زادت المحاسبة جهدها في تصنيفها والإفصاح عنها.

كان الاقتصاد ولا يزال قضية قرار توزيع الموارد المحدودة على المختار من الاحتياجات المتعددة، والمحاسبة قضية دعم ذلك القرار بمعلومات مالية. فالمحاسبة تترجم الموارد والاحتياجات ونتائج التوزيع إلى لغة مالية ''محايدة'' وتعكسها في موازنات وميزانيات وقوائم مالية أخرى. وكأن الاقتصاد صندوق المعالجة في الحاسب الآلي بينما المحاسبة شاشة ذلك الصندوق، فلا يمكن معرفة ما يدور في داخل الصندوق إلا من خلال النظر في شاشاته. لقد مكنت المحاسبة علماء الاقتصاد من فهم كيف تعمل وتتفاعل نظرياتهم الاقتصادية وكيف يمكن إعادة تخصيص الموارد مرة أخرى، لكن القرن العشرين جاء حاسما لذلك التعاون ووضع حدا له عندما انهارت الأسواق المالية في نهاية الربع الأول منه، وانهارت أسهم الشركات ودخل العالم في كساد طويل. في تلك الفترة جاء السؤال الخطير هل يمكن لبيانات المحاسبة أن تضلل متخذ القرار الاقتصادي (هل يمكن للشاشة أن تقدم معلومات مغلوطة لما يدور في قلب الحاسب الآلي)؟ كانت المحاسبة محايدة في تقدم بياناتها المالية التاريخية (عن قرارات تخصيص الموارد) ولم تكن تستطيع أن تسهم بأي دور في تقديم تفسير منطقي لسلوك تلك البيانات.

بعد ذلك التاريخ تغير علم الاقتصاد وبمساهمة كبيرة من الاقتصاد الرياضي، فتجزأ إلى كلي وجزئي، وبدأ العالم يواجه مشكلة التضخم الجديدة. تأخرت المحاسبة مرة أخرى في اللحاق بركب التغيير وظلت تعاني فجوة علمية مع تأخرها في تطبيق فلسفة تجريبية حقيقية وظلت تقدم بيانات تاريخية تركت معالجتها للاقتصاديين الذين عليهم إعادة ترتيب وتصنيف ومعالجة هذه البيانات من أجل بناء نماذجهم الرياضية للتنبؤ بحركة الأسعار والسلع والأسهم، وازدادت الأزمة شدة والصراع شراسة مع اتهام المحاسبة في أعز ما تزهو به، قائمة الدخل، فالدخل المحاسبي (وفقا لحسابات المحاسبين وتوزيعاتهم) أصبح قاصرا عن عكس المفهوم الاقتصادي المقابل له (فائض الثروة) وذلك مع انتشار ظاهرة التضخم وظهور مفاهيم تكلفة الفرصة البديلة. وباختصار أصبحت المحاسبة تتحدث بلغة قديمة لم يعد يفهمها الاقتصاديون. ومما زاد الطين بلة ظهور عدد من الفضائح المالية تثير الشك في حيادية المعلومات المحاسبية.

استطاعت المحاسبة استعادة شيء من بريقها مع ظهور دراسات جادة لتطوير نظرية محاسبية أكثر عمقا وتعتمد المنهج العلمي التجريبي، كما ظهرت المؤسسات المهنية التي فرضت قيودا أكثر صرامة على عملية إعداد التقارير المالية والإفصاح للعموم عنها، وقد استطاعت هذه المؤسسات أن تحقق بعضا من الجدارة في مجابهة الهجوم الضاري لعلماء الاقتصاد وخاصة فيما يتعلق بتغيير مفهوم البيانات التاريخية ودعواتهم المستعرة لتبني مفاهيم قيمة السوق، وقد حققت المحاسبة ذلك الفتح والتقارب مع ظهور مفهوم القيمة العادلة، ذلك المفهوم الذي تسبب تطبيقه الصارم في فضح هشاشة النماذج الاقتصادية على شاشة المحاسبة فانهارت الأسواق وعادت الأزمة المالية العالمية.

فإذا كان الاقتصاد قضية قرار فإن المحاسبة قضية دعم القرار، وإذا كان للاقتصاد منطق فإن للمحاسبة تجربة، وإذا كنت تريد إنجاب العلم التجريبي في عالم المال والأعمال فلا بد أن تزوج منطق الاقتصاد بتجربة المحاسبة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية