بدأت أزمة الديون الأوروبية تؤثر على الأوضاع المحلية في الخليج الغني بالنفط، بينما تجاهد الشركات أكثر من أي وقت مضى لإنجاز صفقات إعادة هيكلة كبيرة الحجم مع البنوك العالمية، الأمر الذي يزيد مخاوف بخصوص عمليات إعادة تمويل مطلوبة هذا العام.
ومع توقعات بحلول آجال ما قيمته 25 مليار دولار من السندات والصكوك في المنطقة هذا العام تزداد مخاوف المصرفيين من حدوث ''إصابات''.
وتجتمع ندرة التمويل بالدولار، الناشئة عن عودة البنوك الأوروبية إلى التخندق بعيداً عن الأسواق الأكثر خطورة، مع محدودية الوصول إلى أسواق الدين، فضلا عن ارتفاع تكلفته، ليُحدثا معاً مشاكل إعادة تمويل خطيرة، حتى وإن ظلت أسعار النفط أعلى من الأرقام التي تحقق التوازن في ميزانيات دول الخليج.
وقال خميس أبو أمين، رئيسDrydocks World، شركة إصلاح السفن في دبي التي تعكف على إعادة هيكلة ديون بقيمة 2.2 مليار دولار ''الأمر يحدث مع البنوك ومعنا كذلك بوصفها قطاع أعمال، ويؤثر على كيفية سير العمل''.
وأضاف ''إننا بحاجة إلى عملية إعادة تفكير''.
ولا يزال المحللون يشيرون إلى المشروعات الاقتصادية المرتبطة بحكومة دبي باعتبارها مصدر خطر فيما يتعلق بإعادة التمويل، لا سيما أن الحكومة أعلنت خلال الفترة الأخيرة أنها ليست في عجلة من أمرها لبيع أصول، أو جمع ديون.
إلى جانب إعادة هيكلة الدين العام في دبي بإجمالي يبلغ 14 مليار دولار من الديون المتعلقة بالحكومة، المستحقة السداد هذا العام، تواجه 3.3 مليار دولار أخرى صعوبات، حسب ظفار ناظم، المحلل في جيه بي مورجان في لندن.
ويقول ناظم إن سندات سلطة المنطقة الحرة في جبل علي الإسلامي بقيمة ملياري دولار، وسند مركز دبي المالي العالمي بقيمة 1.25 مليار دولار، يعتبران الأصعب من حيث القدرة على التسديد.
وتمتد المخاوف إلى ما وراء دبي. ففي الشارقة المجاورة اجتذبت دانا غاز، وهي شركة طاقة لديها ما قيمته مليار دولار من السندات الإسلامية المستحقة هذا العام، الانتباه تزامنا مع ازدياد سنداتها مستحقة الأداء مع القلاقل في مصر، حيث تمارس جانبا كبيرا من نشاطها. وتأثر سعر أسهمها سلبيا، ويتم تداول العائد على صكوكها عند مستويات متدنية.
وفي عُمان تعرضت شركة إم بي بيتروليوم، وهي مجموعة لخدمات الحقول النفطية، إلى تخفيض تصنيفها من جانب ستاندر آند بورز، من منطلق ''مديونيتها المرتفعة''. وتم تخفيض سندات الشركة غير المؤمنة، البالغة 320 مليون دولار، المستحقة عام 2015، درجتين إلى CCC+، وهي خطوة أطلقت مزيداً من المخاوف حول قدرتها على تسديد ديونها.
وسيضطر بيت الاستثمار العالمي الكويتي الذي كان إحدى أوائل الشركات الخليجية التي تبدأ بجولة ثانية من إعادة الهيكلة، بعد إتمام الجولة الأولى، إلى اختبار شروط الائتمان للتوصل إلى صفقة جديدة.
ويقول بيتر فورت، المدير التنفيذي لدى مورجان ستانلي، الذي يتخذ دبي مقرا له: ''سيكون هناك مزيد من إعادة الهيكلة. النمو الذي شهدناه في عامي 2009 و2010 سمح لبعض الشركات التي كانت على حافة الهاوية بأن تبدو أفضل قليلاً، لكن القضايا الأساسية لم يتم حلها''.
وأضاف: ''في تلك الفترة كانت هناك عمليات إعادة هيكلة أخرى ولم تكن قد نفذت بطريقة جيدة للغاية، مثل تلك التي حدثت في بيت الاستثمار العالمي، والتي ستتكرر مرة أخرى''.
ويقول شافان بهوغيتا، رئيس استراتيجية الأسواق في بنك أبو ظبي الوطني: ''ثمة تحديات إعادة تمويل رئيسية في الطريق إلينا على مدى الـ 12 – 18 شهراً المقبلة، وسيكون بعضها أشد وقعاً من بعضها الآخر''.
وتحدث كما يقول محللون ومصرفيون، عمليات إعادة هيكلة ''دون أن يشاهدها الرادار''، مثلما يجري في أبو ظبي حيث تشارك البنوك المحلية بقوة في ذلك.
وفي أبو ظبي تتفاوض مجموعة الجابر، وهي شركة عائلية ذات طيف من النشاطات يتضمن الإنشاءات، مع عدد من البنوك حول ديون تزيد على مليار دولار. ومن غير المحتمل أن تساعد هذه الشركة توقعات عقارية متزايدة السوء في هذه الإمارة، كما أنها لن تساعد شركات أخرى كثيرة.
ومن المنتظر أن تشهد البحرين مزيداً من إعادة هيكلة الديون هذا العام، بينما توقع القلاقل السياسية ضحاياها في الشركات هناك، كما يقول مصرفيون. وأُرغمت الحكومة على دفع علاوة على ديونها بعد أن ضربت الاحتجاجات الجزيرة في العام الماضي.
وتستعد أركابيتا، شركة الاستثمار البحرينية الملتزمة بقواعد الشريعة الإسلامية، التي شهدت موجة من مبيعات الأصول، للتعامل مع قرض بقيمة 1.1 مليار دولار مستحق السداد في نيسان (أبريل) المقبل. وقالت الشركة في العام الماضي إنها ستسدد جزءاً من القرض من أموالها الخاصة ومن خلال ديون جديدة، وستسعى إلى إعادة تمويل باقي المبلغ.
مع ذلك، ما زالت لدى الشركات الخليجية خيارات، كما يقول بهوغيتا. وستحتاج إلى دراسة مزيج من التمويل يشتمل على أسواق السندات، والتمويل المصرفي، والموارد الداخلية، مثل السيولة ومبيعات الأصول، لأن مصدراً واحداً للتمويل قد لا يكون متاحا لحل مشاكلها.
وخلال السنوات الثلاث الماضية عقد كثير من شركات المنطقة اتفاقيات مع البنوك لتمديد فترات سداد ديونها إلى آجال أطول، لكن ذلك يمكن أن يصبح خياراً متزايد الصعوبة، كما يحذّر المصرفيون.
وقد لا يعود بعض الشركات قادراً على التوصل إلى اتفاقيات ''لتعديل وتمديد'' ديونها، لأنها تتكبد خسائر وبحاجة إلى إعادة هيكلة تشغيلية لمعالجة المشاكل المرتبطة بالتراجع الاقتصادي، كما يقول إيريك بينيدكت، المدير العام لشركة أليكس وشركاه الاستشارية في لندن.
ولزيادة الأمر سوءا، فإن التقييمات المتوقعة للأصول التي تمت في السنوات الماضية قد لا تصبح ذات صلة بالظروف الراهنة. وقد تم ربط بعض العمليات الكبرى لإعادة الهيكلة، بما في ذلك ما يخص دار الاستثمار في الكويت ودبي العالمية في الإمارات، بعمليات لبيع أصول، لكن المالكين كانوا مصممين على الاحتفاظ بتلك الأصول إلى أن ترتفع قيمها.
ومع تشديد الغموض الاقتصادي قبضته على أسواق رأس المال، يشير سام سوري، الشريك في BDO Corporate Finance في دبي، إلى المخاطر المرتبطة بأسلوب ''التعديل والتمديد'' الذي كان هو الوضع القائم في المنطقة. ويقول: ''إعادة الهيكلة على غير هدى حادث ينتظر الوقوع''.
