الثلاثاء, 8 سبتمبر 2026|25 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

أدت العقوبات الدولية إلى تأثير قوي على سورية ودفعتها نحو التركيز على الأسواق المحلية بعد تراجع العوائد في قطاعات مثل النفط والسياحة.

وبينما يعاني السوريون نقص الوقود ويصارعون عملة متراجعة القيمة وأسعاراً آخذة في الارتفاع، نفى محمد نضال الشعار، وزير الاقتصاد السوري، ما يقال عن انهيار اقتصادي وشيك ورسم صورة تقشف لأمة ملتزمة بالاكتفاء الذاتي.

قال الوزير في مقابلة أجريت معه في مكتبه في دمشق ''أثرت العقوبات على جميع جوانب حياة المواطن العادي. ومن واجبنا ومسؤوليتنا تحسين إدارة الأزمة التي نمر بها''. وأضاف: ''أفضل وسيلة هي التحول نحو الداخل والتركيز على شؤوننا الداخلية، وتمكين قدرتنا الإنتاجية''.

وتعكس ملاحظاته استجابة النظام السياسية للأزمة، فيما يحاول سحق انتفاضة بدأت في شكل احتجاجات تطالب بتحقيق إصلاحات في الدولة القمعية، ثم تطورت إلى حملة للتخلص من الرئيس بشار الأسد.

ومع تزايد الضغوط الدبلوماسية عقب دعوة الجامعة العربية يوم الأحد الماضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، يعتبر تعليق الشعار بمثابة تحد وتأكيد محسوب – وإن كان موضع خلاف – على قدرة سورية على تجاوز هذه المرحلة.

وقال الوزير: ''أستطيع أن أقول بارتياح إن سورية مكتفية ذاتياً. إننا اليوم بحاجة إلى زيادة كفاءة هذا الاكتفاء الذاتي، حتى يعوض ما فقدناه''.

وفي حين لم يضطر نظام الأسد، حتى الآن، إلى التعامل مع نقص واضح للأغذية في دمشق، إلا أن ساعات قطع التيار الكهربائي زادت وأسعار الوقود ارتفعت بحدة.

كذلك ازدادت أسعار سلع أخرى وقفز سعر أسطوانة غاز الطبخ من 250 ليرة سورية إلى 400 ليرة. وأشارت سيدة كانت تتناول غداءها في مركز بوليفارد للتسوق في دمشق، يوم الإثنين، إلى أن الأسعار كتبت على ملصقات تم تثبيتها على قوائم أنواع الطعام.

وقال متسوقون آخرون إنه قد تكون هناك تكلفة سياسية تؤدي للعودة إلى اقتصاد منعزل قائم على حظر استيراد كثير من البضائع، على شاكلة ما كان قائماً في عهد حافظ الأسد، والد الرئيس، خلال الثمانينيات.

وتتذكر إحدى النساء تلك الفترة: ''لم تكن هناك محارم للأطفال، ولا حليب، ولا موز. ولم يتوافر لنا سوى البرتقال والتفاح''. وحذر أحد رجال الأعمال قائلاً: ''لا يمكنك الانتقال من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد مفتوح، ثم التراجع عن ذلك''.

وقال الشعار إنه ليست لديه بيانات اقتصادية نهائية عن السنة التي انتهت للتو، لكنه كان يتوقع تراجعاً بخانة عشرية واحدة في الناتج المحلي الإجمالي، وتراجعاً في العوائد الحكومية بمقدار يبلغ الربع.

وتراجع إنتاج النفط من 385 ألف برميل يوميا إلى نحو 220 ألف برميل، كما قال، بعد أن فرضت بلدان غربية حظراً على صادرات بعض منتجات النفط السورية، وفي الوقت نفسه انسحبت شركات النفط متعددة الجنسيات من البلاد. وأضاف الوزير أن السياحة تراجعت بنسبة 60 في المائة على الأقل.

وفي خطوة تهدف إلى ضمان أن يكون لدى السوريين كل ما يحتاجون إليه، فرضت الحكومة حظراً مؤقتاً، أو دائماً، على تصدير المواد الغذائية المختلفة، بما في ذلك الأغنام إلى بلدان الخليج.

والشعّار سليل أسرة بارزة تعمل في التجارة في حلب، انضم إلى الحكومة في نيسان (أبريل) العام الماضي بعد ''دعوة إلى أداء الواجب'' من قبل الأسد. ويكشف مظهر الوزارة الكئيب والمبتذل خارج مكتبه المنمق، عن حكومة لا تنفق كثيرا من السيولة.

وبالعودة إلى الشارع، أبدت إحدى النساء ملاحظة كيف أن صبر الناس يمكن أن يكون محدوداً إذا كانت ثقافة الاعتماد على الذات الجديدة تعني اختفاء السلع المستوردة عن الأرفف. وقالت: ''ربما يصل الأمر إلى مرحلة تصبح عندها السلع مكلفة للغاية، لكن ألا تكون موجودة على الإطلاق؟ هذا مستحيل''.

شبِّيحة بشار

في مكان غير بعيد كان أحد معارضي الأسد يتحرك بحماس عبر أزقة حي الميدان في وسط دمشق، ثم توقف فجأة على أحد مفارق الطرق وقال: ''الناس يتظاهرون ضد بشار يومياً في هذا المكان''.

وتبع إعلانه هذا إطلاق نار من مكان آخر، وسط حالة من الذهول. وصرخ: ''هل تسمع''، قبل أن تنطلق زخات أخرى من الرصاص وتتطاير عبر الهواء.

كان الرجال والصبية في الشوارع في جميع الأنحاء وكان حالهم يوحي بمزيج من الخوف والبهجة من الفصل الأخير في لعبة القط والفأر الخطيرة بين قوات الأمن في دمشق ومؤيدي الانتفاضة ضد النظام.

وبينما كان مؤيدو الأسد يتظاهرون في مكان آخر من المدينة بمصاحبة الموسيقى والرقص، كان نشطاء حي الميدان يتدافعون للتظاهر ضد الرئيس وفي أذهانهم عدم الانضمام إلى قائمة الضحايا في صراع قيل إنه أودى بحياة أكثر من خمسة آلاف شخص.

ومظاهرات حي الميدان الذي تعكس أزقته الضيقة جغرافية مدينة دمشق القديمة، المثيرة للذكريات، تعتبر عامل تذكير بأن الثورة التي تعصف بعدة مدن في البلاد لها أصداؤها المكبوتة في العاصمة.

وبعد زخات الرصاص، حذر رجل كان يقف في إحدى الزوايا، من النزول إلى أحد الشوارع: ''الجيش هناك''. وتحرك رجل آخر على عجل، وقال إن اسمه أبو القاسم وصرخ: ''الكلاب خلفنا. قوات الأمن تطوقنا''.

دخل أبو القاسم في إحدى البنايات على زاوية الشارع، وأخذ يصعد الدرج القذر، ولم يتوقف إلا حين أصبح خارج نطاق المدخل. ثم تحرك عدة مرات للتأكد من إحكام إغلاق الباب حين سمع أصواتاً في الشارع، ووصف كيف يتجرأ المقيمون في الحي على المخاطرة بالمشاركة في تظاهرات خاطفة ''تمتد إلى خمس، أو عشر دقائق فقط''.

وقال أبو القاسم: ''يأتي الشبيحة مسلحين بالسكاكين. جرحوا خمسة منا في الأسبوع الماضي. الجمعة الماضية لم يأتوا بسكاكينهم وسيوفهم. جاءوا بأسلحة نارية''.

وتعني العودة من تحت الجسر الطائر الذي يربط حي الميدان وأعمدته الخرسانية بكتاباتها ورسوماتها السوداء المناهضة للنظام، العبور مرة أخرى بين عوالم متباينة في بلد ليس في حالة حرب، بل ليس في حالة سلم مع نفسه.

وعلى الطريق كان هناك موقع لتفجيرات مميتة حدثت الشهر الماضي، قالت السلطات إن 26 شخصاً قتلوا فيها. وقالت أيضا إنها من عمل القاعدة، مرددة بذلك الرواية الرسمية التي تقول إن الثورة يقوم بها إرهابيون ضد قائد يحظى بدعم معظم السوريين.

في الطرف الأقصى للمدينة، من الجهة المقابلة لمآذن حي الميدان المتداعية، كان 200 شخص من مؤيدي الحكومة يجتمعون في ساحة خارج البنك المركزي، تتناقض أجواؤهم الودودة والاحتفالية بشكل مصطنع مع حديثهم الكئيب عن المؤامرات الخارجية لتمزيق سورية.

كان الجمهور يردد شعارات مؤيدة للرئيس، فيما كانت شابتان ترتديان جاكيتات من الكاكي ـ إشارة إلى دعمهما للجيش كما قالتا ـ توزعان منشورات باللغتين العربية والإنجليزية تذكر بالتفصيل ''فصولاً من المؤامرة ضد سورية''.

وقال أحد المحتجين وهو يتحدث وخلفه ملصق كبير يحمل صورة للرئيس بارتفاع أربعة طوابق على بناية البنك المركزي، إن الجمهور صغير نسبياً بسبب الطقس البارد، وتوقيت عطلة نهاية الأسبوع، وغياب التنظيم الرسمي.

وعلى المسرح طفلة لا تتعدى ستة، أو سبعة أعوام، تغني أغنية تسلط الضوء على انقسامات لا يرى أحد حلاً لها في أي وقت قريب. وقالت الطفلة: ''نحن شبِّيحة بشار. جميع الناس على استعداد لأن يكونوا شهداء''.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية