الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

أكدت دراسة بحثية حديثة ضعف النظم التعليمية القائمة والمناهج المطبقة كآلية تقود إلى الصناعات المعرفية في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك وفق الدراسات والتقارير حول تلك النظم والمناهج. مشددة في هذا الصدد على أهمية دور نظم التعليم في مجتمع المعرفة والصناعة المعرفية وأن تحقيق ذلك يعد مهمة الحكومات بالدرجة الأولى وليس القطاع الخاص.

وأرجعت الدراسة الصادرة عن منظمة الخليج للاستشارات الصناعية ''جويك'' تحت عنوان ''آفاق الصناعات المعرفية في دول مجلس التعاون''، هذا الضعف إلى عدة أسباب، منها اعتماد العملية التعليمية القائمة على نمط التلقين والتحصيل الوقتي الذي يقود إلى تخطي المرحلة فقط، وعدم وضع أغلبية نظم التعليم في دول المجلس خططا أو برامج تعليمية وتدريبية مناسبة لتأهيل خريجي الثانوية العامة الذين لم تتح لهم فرص الالتحاق بالجامعات خاصة أن هذه الفئة يمكن أن تصمم لها برامج تعليمية وتدريبية تظهر القدرات الفنية لها في مجال الصناعات المعرفية. كذلك أحادية العملية التعليمية بما تشمله من أنماط تعليم، عمليات تعلم وطرق دراسة وتدريس، مناهج دراسة، وتوجهات أهداف التحصيل، إذ ليس من المعقول في ظل الاختلافات المتعددة للقدرات البشرية، واختلاف مستويات الذكاء، أن تعامل وفق نمطية موحدة.

ومن أسباب ضعف النظم التعليمية الخليجية أنه على الرغم من أن العملية التعليمية القائمة على التعلم والدافعية والاستدراك والملاحظة والتحليل والنقد والسلوك والتنظيم قد طبقت إلى حدٍ بعيد ومنذ زمنٍ في الغرب، إلا أن ذلك لم يطل العملية التعليمية في دول مجلس التعاون. لافتة في الوقت ذاته إلى أنه رغم أخذ بعض دول المجلس بما يعرف بتوجهات ''تعليم لمرحلة جديدة'' وهي توجهات صحيحة إذا تم تطبيقها من حيث انتهى الآخرون فستكون تجربة وعملية تعليمية أكثر تقدماً خصوصاً مع اتضاح الرؤية والهدف بإيجاد مجتمع المعرفة وباستخدام طرائق جديدة مبنية على العلم والتجربة، إلا أنه حتى الآن نتائجها ما زالت محدودة في المدى الزمني القصير.

وبحسب الدراسة، تمثل المعرفة أحد المظاهر الأساسية للإنتاج في عالم اليوم، وبالتالي أصبحت أحد المحركات الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. ومن المؤكد أن تطبيق المعرفة قد أدى ليس فقط إلى تطوير مخرجات الإنتاج الصناعي فحسب، وإنما إلى حصول تغيير جذري في أنماط الإنتاج والاستهلاك، كما أن الاستثمار في المعرفة قد امتدت آثاره لتشمل حدوث تغيرات جوهرية في تحسين وترشيد كفاءة المدخلات الإنتاجية بجميع عناصرها المتمثلة في القوى العاملة، المواد الأولية، الطاقة، والإدارة التشغيلية وغيرها من عناصر الإنتاج.

وأوضحت الدراسة أن نموذج الأعمال في الصناعة التقليدية يعتمد بشكل أساسي على اليد العاملة، رأس المال، والمواد الأولية، بينما نموذج الأعمال للصناعة المعرفية يعتمد على القدرات والمهارات البشرية المطورة من خلال التعليم، التدريب، والثقافة والخبرات هذا من جانب ومن جانب آخر يعتمد على التقاطع بين العلوم. كذلك تعتمد الصناعة المعرفية بشكل كبير على عملية تجهيز المعلومات، وعلى التكامل في تحويل المعلومات إلى أنشطة أخرى، وعلى عملية توليد ونشر أنواع جديدة من المعرفة ومن المنتجات. مبينة أن الصناعات المعرفية تتميز بامتلاكها ثلاثة عناصر أساسية هي: الموارد البشرية ذات المهارة والكفاءة العالية، الابتكار ويتضمن عناصر كالأبحاث والتطوير والتغيير في نماذج العمل والتكامل مع الزبائن وغيرها من العناصر، وبنى تحتية تكنولوجية متطورة تتضمن تكنولوجيا المعلومات والاتصال.

ووفق ''جويك''، فإن دول مجلس التعاون سعت إلى إرساء اقتصاد مستدام ومتنوع يرتكز على الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية ويشجع الروح الاستثمارية لدى الأفراد والمشاريع الخاصة ويكون على درجة عالية من الاندماج في الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، عملت دول المجلس على تنويع الاقتصاد وصياغة أهداف طموحة لتنمية القطاعات غير النفطية وعلى رأسها قطاع الصناعة التحويلية لما له من دور مهم في أي تركيبة اقتصادية ناجحة ومستقرة، ولما له من دور كبير أيضاً في كثافة وترابط العلاقات الاقتصادية داخل دول المجلس وخاصة في حالات الركود التي تصيب قطاعات المال والسياحة والتجارة والعقار. كما أن التوسع الكبير في قطاع الإنشاء في دول المجلس لابد أن تواكبه أنشطة اقتصادية قابلة للدوام ومن المفترض أن تكون الصناعة التحويلية وخاصة الصناعات المعرفية باعتبارها الخيار الاستراتيجي للتنويع الاقتصادي لدول المجلس.

وفي ظل التغيرات العالمية التي أصبحت فيها الصناعة المعرفية إحدى ركائز الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار والمستند إلى التقنيات المتقدمة باعتبارها مصدرا للقيمة المضافة العالية، أولت دول مجلس التعاون عناية خاصة للصناعات المعرفية خلال السنوات الخمس الأخيرة حيث تم التأكيد عليها في الرؤى الوطنية والاقتصادية وفي استراتيجيات التنمية لدول المجلس. ولكن على الرغم من ذلك، وتوافر الاهتمام المتزايد من قبل حكومات دول المجلس حول هذا التوجه، وتنفيذ عدة مشاريع في هذا المجال، إلا أن التقدم في التطبيق ما زال متواضعاً، وأقل من الطموحات المرجوة. كما أن هناك تفاوتاً بين دول مجلس التعاون في مستوى الجاهزية للصناعات المعرفية.

وشددت الدراسة على أن تبدأ دول مجلس التعاون إذا أرادت الانتقال للصناعات المعرفية ضمن إطار الاقتصاد المعرفي من الآن وبسرعة بتبني رؤية المجتمع المبدع والتي تجمع بين شراء وبناء الصناعة المعرفية في نطاق أوسع وهي رؤية طموحة وتسمح بظهور قطاع خاص قوي وطبقة تتسم بالابتكار والإبداع وتعمل على تحقيق إصلاحات توجيهية للصناعة المعرفية أكثر عمقاً وترتكز على التعليم وبيئة الأعمال. وأكدت في هذا الصدد حاجة نظام التعليم إلى وضع أُسس قوية للمعرفة والتعلم وليس التعليم بتطبيق نظريات علمية تؤدي إلى الهدف المطلوب، والاستفادة من التجارب الرائدة والناجحة وتطويرها، وتطبيق هذا التوجه دون استعجال للنتائج، لأن ذلك قد يستغرق من 30 إلى 40 سنة كي تظهر نتائج التعليم ودون النظر للمردود الآني، وتهيئة المجتمع ووسائل الإعلام والرأي العام لعملية التغيير الطويلة. وكذلك يجب تدارك الخطأ الذي وقعت فيه العملية التعليمية بتعميم تطبيقها ''حيث كان من المفترض البدء بالمدارس الإعدادية والابتدائية فقط'' ووضع برامج تطوير للمدارس الثانوية، ثم تعميم التجارب الأكثر نجاحا. وأيضا البدء بتأسيس رياض أطفال على مستوى عالٍ من العلمية التي تتحرى تنمية القدرات والدافعية وبناء الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية وأهمية مراجعة الرياض القائمة ''الخاصة'' والتي تنهج أسلوب التدريس كأي مدرسة تعتمد على أسلوب الحفظ في المرحلة المبكرة، إضافة إلى تغيير المناهج التعليمية بما يحقق متطلبات تنمية المهارات المعرفية والسلوكية والتنظيمية المختلفة، أهمية وضع مناهج عملية ومهنية تقدم بطرق بسيطة وجاذبة وتقوم على احترام قيمة العمل وتنمية المهارات المختلفة والأعمال اليدوية.

كما يجب على دول الخليج إذا أرادت الانتقال للصناعات المعرفية - بحسب الدراسة - دعم وتمويل مراكز البحوث والتطوير على نحو أكثر فاعلية ووضع أجندة للبحوث التطبيقية في مجالات الصناعة المعرفية على مستوى دول المجلس، واجتذاب الباحثين والعلماء والمؤسسات البحثية العالمية والاستثمارات الأجنبية المباشرة وخاصة في مجالات الاتصال والتكنولوجيا والصناعة ذات التقنية العالية بما يحقق أجندة بيئة إبداعية، وتحقيق مجتمع قائم على الثقة بين جميع فئات السكان سواء على مستوى النوع أو على مستوى الجنسيات المختلفة التي تضمها التركيبة السكانية والتنوع الديني والثقافي لتلك التركيبة، فهي بحاجة أيضاً إلى وجود مجتمع يتحول نحو الحميمية.

وتؤكد الدراسة أن دول مجلس التعاون قادرة على الانتقال للصناعات المعرفية لأنها تملك عديدا من عوامل النجاح، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر القدرة المالية حيث من المؤكد أن الصناعات المعرفية تحتاج إلى أموال كثيرة Capital Intensive وهذا متوافر لدى معظم دول المجلس، ويمكنها من تمويل مراكز البحث والتطوير وجذب الشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. كذلك تراكم الخبرات حيث تتميز مراكز البحوث في دول المجلس بتنوع وتراكم الخبرات لديها وقدرتها على جذب عديد من الخبرات العالمية سواء المؤسسات أو الأفراد. وأيضا الشراكات الدولية في مجال البحث والتطوير، حيث أن عديدا من مراكز البحوث والتطوير في دول المجلس وخصوصا في السعودية وقطر لديها شراكات دولية ممتازة في مجال البحث والتطوير، كما لديها شراكات محلية أيضاً مع مؤسسات صناعية ما يساعدها على الريادة في بعض المجالات مثل الطب والطاقة والبتروكيماويات وغيرها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية