كان عمال الإنقاذ ما زالوا يعملون بشكل متعثر لإيجاد ناجين من حادث السفينة سيئة المصير، كوستا كونكورديا، حينما ألقى بيير لويجي فوتشيا، الرئيس التنفيذي لكوستا كروزيز، اللوم على قبطان السفينة بسبب تحطمها، ووصف باقي الطاقم بالأبطال.
لكن مع تقدم أيام الأسبوع، اهتزت استراتيجية الشركة لجعل القبطان فرانسيسكو سكيتينو سبب الكارثة قبالة شاطئ إيطاليا، بسبب الملاحظات التي أبداها المسافرون، والطاقم، و ما تكشّف إزاء بعض ممارسات الشركة الخاصة بها.
ومع استمرار المواجهة بسبب الحادث، سيتم طرح السؤال المتعلق بمن يقع عليه اللوم في المحاكم، في الوقت الذي تسعى فيه جميع الأطراف إلى الحد من الأضرار التي تقع عليها.
#2#
ووُصفت جهود شركة كوستا كروززللخروج بمتهم، سريعاً بالمفاجئة من قبل بعض خبراء الصناعة، وربما تفرض بعض المخاطر على الشركة، في الوقت الذي يحقق فيه المحققون بمشقة في الممارسات الأولية للمشغل الإيطالي، وهي وحدة من شركة كارنيفال التي مقرها ميامي. وكانت الشركة قد اتهمت القبطان الذي قام بحركة استعراضية قريبة من الشاطئ ''لتحية'' بحار زميل له.
وقال ويليام رايت، خبير البحرية للاتحاد الدولي للخطوط البحرية، مجموعة الضغط في صناعة الرحلات البحرية في أمريكا الشمالية: ''إن هذه الحوادث معقدة، وتقتضي مراجعة الصندوق الأسود، وأن نفهم فعلا ما حدث''.
وأضاف رايت الذي يشغل كذلك منصب نائب الرئيس الأعلى للعمليات البحرية في رويال كاريبيان إنترناشونال، المنافس لكوستا: ''يتمثل الإجراء المعياري في منح القبطان إجازة إدارية أثناء إجراء التحقيق''.
وقال خبراء قانونيون إن الشركة كانت ضعيفة أمام المطالبات المحتملة للمسؤولية القانونية للشركات في الوقت الذي تظهر فيه تفاصيل الإخلاء الفوضوي، إضافة إلى وفاة، أو فقدان 29 شخصاً. وتسعى السلطات إلى تفادي كارثة بيئية، بإزالة 500 ألف جالون من الوقود غير المستهلك من جسم السفينة المتصدع.
أما اتحاد حقوق المستهلك الإيطالي، كوداكونز، فأشار يوم الخميس لصحيفة فاينانشيال تايمز أنه كان بصدد رفع دعوى مدنية جماعية اجتذبت حتى الآن 200 مسافر. ويخطط للمطالبة بمبلغ 50 ألف يورو لكل مسافر.
من جهته، أكد كريج ألين، أستاذ القانون في أكاديمية حرس الشواطئ الأمريكية، لصحيفة فاينانشيال إن الشركة يمكن أن تسلط الضوء على أعمال القبطان بصفتها غير سليمة، ولكن ذلك لا يعني دائماً أن الشركة معفاة من المسؤولية.
وكان النمط الذي سمحت به الشركة طوال الوقت مهماً كذلك، حسبما قال ألين. وأضاف: ''عليك واجب يتمثل في الاستفسار عما يمكن لمالك السفينة أن يجده بالبحث في تفاصيل الطرق التي تسلكها السفينة، وإذا ما فشلت في العمل، وماحدث إهمال تام''.
و السؤال الكبير المطروح، كما يقول ساروش زايوال، المحامي وخبير البحرية في لندن هو: هلكان القبطان سكيتينو ''كثير المزاح بطبيعته''، وإذا كان كذلك، فهل كانت كوستا ''تعرف بالأمر، أو كان يمكنها أن تعرف''.
ولا يعتبر تغيير طرق الرحلة غير المصرح به أمراً غير شائع في النقل البحري للركاب. إنها تعرف في قاموس الصناعة بعبارة ''تغيير المسار المشوق''، أو ''الطيران المنخفض''. وحتى أن حيداً بحرياً قبالة جزيرة أوركاس، بين فانكوفر، وسياتل، يكشف عن اسم ''صخرة الواحة'' في ذاكرة إحدى المناورات الخاطئة في ثمانينيات القرن الماضي.
وقد أصبح القبطان سكيتينو الذي يخضع الآن للاعتقال المنزلي، هدفاً للغضب بعد أن اتهمه الادعاء العام بتنفيذ ''مناورة متهورة''، ومغادرة السفينة، بينما بقي المسافرون يصارعون لإيجاد قوارب النجاة.
وقال القبطان للمراسلين خلال الساعات التي أعقبت الحادثة إن السفينة اصطدمت بصخور غير واضحة في الخارطة. واعترف لاحقاً في المحكمة أنه أبحر بالسفينة، بوجود 4,200 شخص على متنها، على بعد مئات أمتار قليلة من الجزيرة ليطلق بوقاً لتحية قبطان سابق يعيش هناك. وركزت تصريحات الشركة على القبطان، ولم يقل الكثير بشأن باقي الطاقم، وخلال المقابلات الإعلامية، اشتكى المسافرون من أن أفراد طاقم البحارة أعاقوا عمليات الإخلاء لأنهم ليست لديهم أدنى فكرة عن كيفية فك قوارب النجاة، كما تأخروا في عملية إطلاق أجهزة الإنذار. وقال أفراد الطاقم لوسائل الإعلام إن جهاز الإنذار انطلق متأخراً، وقيل لهم أن يخبروا المسافرين بأن السفينة كانت تعاني من مشاكل في الكهرباء.
أما المسافرون فأكدوا إن السفينة لم تجر تدريباتها على عمليات الإخلاء. وعلى الرغم من أن ذلك يتم في العادة قبل أن تغادر السفينة الميناء، إلا أن القانون يسمح بإجراء التدريب في غضون 24 ساعة من المغادرة.
ودافع فوتشي عن سجل السلامة الخاص بالشركة، وقال ''إن جميع أفراد طاقمنا تصرفوا كالأبطال''.
أما بالنسبة لللقبطان، فقال فوتشي إنه قام بمناورات ''غير موافق عليها، وغير مصرح بها، ولا تعرف كوستا عنها شيئاً، وتناقض قوانين السلوك المكتوبة الخاصة بنا''.
غير أن رسالة الشركة أصبحت مربكة حين اعترف فوتشي لاحقاً بأن السفينة التي يبلغ وزنها 114,500 طن نفذت المناورة ذاتها وذلك في شهر آب (أغسطس) من العام الماضي بموافقة الشركة في مكان أقرب من شاطئ غيغليو.
وذكر ناطقون باسم كوستا كروزيزمن بورسون – مارستيلر في لندن، أن إرشادات الطريق '' الطبيعية'' تبقي خطوط السفن البحرية الخاصة بمسافريها على بعد خمسة أميال من شاطئ غيغليو. وقالوا كذلك إنه في 14 آب (أغسطس)، وهو اليوم الذي منعت فيه الشركة طريقاً أقرب إلى الجزيرة، كان التصريح الممنوح للسفينة هو الإبحار على مقربة 500 متر من الشاطئ.
وفي وقت متأخر من الأسبوع، لم يكن لدى الشركة الكثير لتقوله بشأن قائمة لويدز، خدمة معلومات الصناعة البحرية، التي أظهرت أن السفينة تحركت فعلياً على مقربة 230 متراً من الشاطئ في شهر آب (أغسطس).
و قدمت آي إتش إس، وهي خدمة أخرى للمعلومات البحرية، بيانات إلى صحيفة الفاينانشال تايمز تظهر أنه في عام 2010 قامت سفينتان منفصلتان من سفن الرحلات البحرية لكوستا بالإبحار كذلك على مقربة من شاطئ غيغليو. ورفضت كوستا التعليق على البيانات، لكن قال فوتشي في وقت سابق إن من المحتمل أن السفن الأخرى انحرفت عن مساراتها المتفق عليها معها.
وحسب التنظيمات، تحمل معظم السفن جهاز بث راديو يرسل إشارات عن موقع السفينة، ومسارها، وهويتها.
هذه البيانات تحديداً – التي يعود تاريخها إلى عدة سنوات سابقة – يمكن أن تظهر الآن بالتفصيل عدد المرات التي اتخذت فيها سفن كوستا للرحلات البحرية طريقاً مختلفاً.
وتثير الأحداث التي وقعت على ظهر السفينة أسئلة عديدة، ليس فقط بخصوص الكابتن، وإنما بخصوص ما إذا كان يمكن للشركة المالكة للسفينة أن تواجه أية تهم جنائية.
والقانون الإيطالي رقم 231 لعام 2001، أقر المبدأ القائل إنه من الممكن أن تتلقى الشركات عقوبات إدارية على الجرائم التي يرتكبها الموظفون ضمن نطاق عملهم مع الشركة.
فإذا تبين أن أحد الموظفين مذنب بالقتل غير العمد، من الممكن أن تُفرَض غرامة على الشركة وهناك احتمال كذلك بأن تكون عرضة لمحظورات معينة ضمن الصناعة.
و يتوقف الكثير حول ما إذا كان الموظف مخالفاً لقواعد الشركة. ويقول أنتونيو جولينو، وهو شريك في شركة كليفورد تشانس للمحاماة في ميلانو: ''حتى يتمكن القضاء من إدانة الشركة، يتعين على المدعي العام أن يثبت أن الشركة لم تكن تطبق ضوابط داخلية مناسبة تهدف إلى الحيلولة دون وقوع الموظف في مخالفة إهمال القواعد''.
وفي ظل ظروف معينة، يمكن أن يقع عبء الدليل على الشركة، بمعنى أنه يتعين عليها أن تثبت للمحكمة أن الضوابط الداخلية مناسبة.
وقال جولينو: ''يمكن للغرامات أن تصل إلى 1.5 مليون يورو مقابل هذه المخالفة''.
وعام 2011 أدانت محكمة في تورينو أحد التنفيذيين في شركة تيسن كروب بتهمة القتل غير العمد. وقد طُبِّقت على الشركة عقوبات ثقيلة في قضية كانت تدور حول حريق نشب في أحد المعامل في إيطاليا وأدى إلى وفاة سبعة عاملين. وحكمت المحكمة على الشركة بدفع مبالغ كبيرة على شكل غرامة وتعويض، ومُنِعت من الحصول على مساعدات عامة لمدة 6 أشهر.
إن القانون الإيطالي، على خلاف القانون البريطاني حول القتل غير العمد وجرائم القتل في الشركات لعام 2007، لا يذكر صراحة القتل غير العمد، ولم يتم إقراره لهذا الهدف بالذات. يقول أتيليو كوستابيل، وهو محام إيطالي وأستاذ لمادة القانون البحري في فلوريدا: ''هناك احتمال كبير بأن تصبح قضية السفينة كوستا كونكورديا ‘اختباراً للإجهاد’ بخصوص القانون رقم 231''.
ويشير بيير لويجي فوتشي، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة كوستا كروزز، إلى أن الشركة تعمل على الاستعداد لإمكانية إقامة قضية جنائية ضدها، وهي تستعين الآن بمحامين مختصين في القانون الجنائي.
لكنه أكد على أن الشركة كانت ملتزمة بجميع معايير السلامة ويعتقد أنها ''جيدة مثل الشركات الأخرى'' من حيث الأمن.
ويقول جيم ووكر، وهو محام بحري يعمل في ميامي: ''لا أعتقد أن كوستا أو كارنيفال تواجه أية مسؤولية جنائية في الولايات المتحدة، وبالتأكيد ليس في ولاية فلوريدا. لا يوجد في الولايات المتحدة قانون خاص بالقتل غير العمد في الشركات.''
وفي بريطانيا، تنص القواعد الإرشادية للأحكام، والتي أُقِرت في أوائل عام 2010، على أن الشركات المدانة بالقتل غير العمد تواجه عقوبات ''جزائية''. وفي شباط (فبراير) 2011 كانت شركة كوست ويرلد جيوتكنكال هولدنجز أول شركة بريطانية يتم إدانتها بموجب قانون القتل غير العمد في الشركات، وتم تغريمها بمبلغ 385 ألف جنيه استرليني.


