الأربعاء, 16 سبتمبر 2026|3 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

''تستخدمها زوجتي كثيراً لتعرف مكاني''، كما يقول ميلان باتل، وهو يمزح إلى حد ما أثناء مرورنا عبر الشوارع الخلفية لساوثورك، جنوب شرقي لندن، في سيارته المرسيدس السوداء – النفاثة.

يستعرض باتل كيف يبدو الأمر عند القيادة بوجود جهاز مثبت في السيارة يتتبع ليس الأماكن التي يقود فيها فحسب، وإنما كذلك كيفية قيادته. ولاحقاً، سوف يعيد تشغيل مسار الرحلة على جهاز كمبيوتر محمول يظهر سرعته على امتداد الطريق بأكملها، ويظلل باللون الأحمر الزاوية التي سار فيها بشكل أسرع قليلاً.

إنها تكنولوجيا تيليماتكس (تقنية الاتصالات عن بعد باستخدام الحاسوب)، وفي غضون سنوات قليلة، سيكون الجهاز الذي يسمح بتنفيذها إلزامياً في جميع السيارات الجديدة في الاتحاد الأوروبي. يأتي الجهاز مع السيارة، ويشتمل على نظام تحديد المواقع العالمي الجوال لتحديد المكان والوقت، وجهاز تسارع لالتقاط قياسات القوة الدافعة، ورقاقة لجمع هذه البيانات، وقياسات السرعة. وتعرف الرقاقة كذلك طريقة جمع البيانات، ومتى ترسلها عبر إشارة الهاتف الجوال إلى خوادم المشغل. وتحقق ''ليساندا''، شركة التكنولوجيا التي يعمل لديها باتل موظف دعم فني على الطرقات، معظم مبيعاتها بواسطة البيع إلى المجموعات اللوجستية مثل ''تي إن تي'' التي لديها أسطول كبير من السيارات، ومواعيد التسليم التي يجب إدارتها، وبطبيعة الحال، سائقين لمراقبتهم. وتعتقد ''ليساندا'' أن العام المقبل سوف يشهد اندفاعاً أكبر بكثير من جانب المستهلك، وبشكل رئيسي كأداة لشركات التأمين كي تتقاضى أقساطاً أكثر دقة من السائقين المختلفين، ولا سيما الشباب. ولدى أولئك الذين يبيعون التكنولوجيا آمال عظيمة للإمكانات التي تتضمنها، ليس أقلها على الأرجح أقساط التأمين على السيارات الأرخص، وكانت الأقساط في المملكة المتحدة، وفي كل مكان آخر، ترتفع بشكل صاروخي بسبب الاحتيال، والمطالبات الأعلى بسبب الإصابات الجسدية، وعتبة التعويضات الأدنى مقابل شطب السيارات الحديثة المتطورة.

وتتمثل الآمال الكبيرة في أن بمقدور تقنية تيليماكس أن تجعل الطرق أكثر أمناً، بتحفيز القيادة الأفضل، والأكثر هدوءا، ومساعدة البيئة بتقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون. وعند السرعات الأدنى، وبحدة أقل لدى استخدام المكابح، أو التسارع، فإن السيارات تحرق كمية أقل من الوقود ببساطة. وربما يقود الناس مسافة أقل كذلك.

يقول جيوفري فينالي، الرئيس التنفيذي لـ ''ليساندا''، إن هدف البيع الرئيسي لشركته كان قياس الانبعاثات بواسطة تحليل سلوك السائق، ووعد التوفير بتكلفة الوقود. ويقول: ''إن التغييرات البسيطة في أسلوب القيادة يمكن أن تعني توفيرات بنسبة 15 - 20 في المائة في تكلفة الوقود دون التأثير على زمن القيادة''.

وتعاني التكنولوجيا من مشكلة أساسية من وجهة نظر المستهلك تحيط بها لمسة ''الأخ الكبير''، أي المراقب - حسبما يعترف باتل.

ولم يكن المستهلكون الذين اتصلت بهم صحيفة ''فاينانشيال تايمز''، ممن استخدموا نسخاً من التكنولوجيا من أجل التأمين الخاص بهم في الماضي، منزعجين من متابعتهم في كل مكان. واستخدمها بن كرافن، الرجل البالغ من العمر 48 عاماً من وسط سكوتلندا، لمدة ثلاث سنوات. ويقول: ''إذا كنت أفعل شيئاً أخجل منه، فإن هذه التكنولوجيا حارسي ومراقبي''.

يقول بيتر باروز، مدير التمويل في شركة التأمين المتبادل على الحياة في المملكة المتحدة، الذي يصف نفسه ''بأنه محاسب يبلغ من العمر 40 عاماً، إن الفكرة راقت له، بحيث لو تعرض إلى حادث، فإن شخصاً ما سيعرف ذلك على الفور.

كان باروز يفكر كذلك بشأن الوقت في ذلك اليوم الذي كان يقود خلاله. وتقع معظم الحوادث في أواخر المساء، أو خلال الليل، وبناءً عليه، فإن القيادة في ذلك الوقت اجتذبت قسط تأمين أعلى بكثير، وبصفته رجل تأمين على الرغم من أن التأمين على الحياة، وليس على السيارات – فإنه يرى كذلك الآثار الاجتماعية المحتملة. ويقول: ''من شأن جعل الناس أكثر إدراكاً للمخاطر التي يواجهونها أن يحسن من سلوكهم''.

تدعم الأبحاث هذا الأمر. وأفادت التوقعات بأن الحوادث سوف تتراجع بنسبة أكثر من الأميال التي تمت قيادتها بموجب نوع التأمين المتمثل في ''أدفع حين تقود''، لأن أكثر السائقين مخاطرة ممن يدفعون رسوماً أعلى سيكون لديهم حافز للقيادة على نحو أقل، وفقاً لبحث تم إجراؤه لمعهد فيكتوريا لسياسة النقل في كندا، وهو مجموعة بحث مستقلة.

أدخلت ''أفيفا''، شركة التأمين الأوروبية، تقنية تيليماكس على نحو مبكر، ولكنها تخلت عنها بعد ذلك قبل عدة سنوات. وفشلت في تسجيل عدد كافٍ من السائقين لجعل الأمر مربحاً فعلياً. وكانت تكلفة الصناديق في ذلك الحين أكثر من 400 جنيه استرليني – ليست أقل من القسط السنوي لسائق منطقي، متوسط العمر - وفوق كل ذلك، كانت تكلفة التركيب، تنطوي على وجود شخص مؤهل يزيل قسماً من اللوحة الأمامية لقمرة القيادة لإخفاء الجهاز خلفها. هناك نسخ أكثر بساطة توفرها ''نيدبانك'' في جنوب إفريقيا، و''كوفربوكس'' بواسطة شركات تأمين مختلفة في المملكة المتحدة، و''مابفري'' في إسبانيا. لكن سوف تبلغ قريباً تكلفة حتى الأجهزة المتطورة نحو 100 جنيه استرليني، وسيكون من الأسهل تركيبها - إن لم تكن مركبة في السيارة فعلياً. والجهاز المركب في سيارة باتل المرسيدس أكبر بقليل من علبة الكبريت، ومخبأ بعيداً تحت مقود التوجيه، ومثبت في علبة تشخيص رقمية مثبتة وموجودة في كل سيارة تسير بالبنزين تمت صناعتها منذ عام 2000.

في المملكة المتحدة توجد فعلياً شركة تأمين متخصصة في تقنية تيليماكس، وتدعى إنشور ذا بوكس، التي انطلقت قبل أقل من عامين فقط. وتعمل شركة التأمين على تحديد الأميال المقطوعة بنحو ستة آلاف ميل لكل عام، وبعد تلك المسافة، ينبغي على الزبون أن يجدد التأمين. ويوضح مايك بروكمان، الرئيس التنفيذي لـ ''إنشور ذا بوكس''، أن مسافة الأميال محدودة بسبب فئة الناس الذين تستهدفهم. وهذه الفئات هي ربات البيوت، وسائقو السيارات المستعملة، والسائقون الشباب – جميعهم ممن يسجلون مسافة أميال أقل، ويخدمهم عدد من شركات التأمين على نحو سيئ. والوجه الشاب تصنفه شركة التأمين ضمن الفئة الأكثر تعرضاً للعقوبات، ولا سيما الرجال بين سن 17 إلى 25 عاماً، هو الأكثر مجازفة في التسبب في الحوادث والوفيات.

يقول بروكمان: ''تقوم شركات التأمين بتصنيف الناس ضمن صناديق. وتقنية تيليماكس تمثل أول شيء يعطي الناس الذين يصنفون ضمن الصناديق السيئة فرصة للخروج منها بتصرفهم على نحو أفضل من المتوقع، وهي أول شيء كذلك يساعد السائقين السيئين ليصبحوا جيدين''.

ويعترف بروكمان بأن شركته ما زالت تحاول التوصل إلى ما يجب فعله بالبيانات التي تجمعها. وبعض المواد الواضحة تماماً يتعلق بالسرعة. ويقول: ''نعتقد أن القيادة أكثر أمناً عند سرعة 80 ميلاً في الساعة على الطريق السريع خلال اليوم، أي أعلى بعشرة أميال من حدود السرعة، مقارنة بالقيادة بسرعة 50 ميلا في الساعة على طريق ريفي مظلم، أي أقل بعشرة أميال من الحدود المسموح بها''. ولم يكن دقيقاً إزاء السرعة التي سوف تعاقب شركته عندها السائقين، حيث يتم تنفيذ العقاب بواسطة خسارة الأميال الإضافية التي يبدأ عندها السائق في كل شهر. ولكنه يقول إن الشركة تعاقب جراء القيادة لأكثر من ساعتين، أو إذا اكتشفت تنفيذ كثير من الكوابح الحادة، والتسارع، الأمر الذي يشير إلى تتابع خطير لسيارات أخرى، ولا سيما على الطريق السريع.

ويتم قياس هذا التأثير الأخير بواسطة جهاز قياس التسارع، وهو العنصر الذي يعطي هذه التكنولوجيا معنى الحتمية من وجهة نظر شركة التأمين. وليس بإمكانه أن يكتشف حدوث تصادم فحسب، وإنما يكشف الكثير عن خصائصها كذلك.

ويمكن أن يساعد ذلك على إنقاذ حياة الكثيرين بواسطة الاستدعاء الأسرع، والأفضل إبلاغاً على نحو مهم للطوارئ. ولكن بإمكانه كذلك أن يحل جزءاً كبيراً من الحادث من أجل الاحتيال النقدي الذي تواجهه شركات التأمين على السيارات بشكل متزايد. يقول بروكمان: ''واجهنا زبونة اصطدمت لتوها بسيارة أخرى في موقف سيارات المتجر المحلي الذي ترتاده. ونفذت الأمر الملائم، وتركت تفاصيلها لمالك السيارة الأخرى، ولكن وصلتنا بعد ذلك مطالبة من طرف ثالث يدعي وجود ثلاث قضايا بإصابات جسدية. حسناً، نعرف تماماً أن بإمكاننا مواجهة تلك القضية''.

وإذا انطلقت تكنولوجيا تيليماتكس، ستكون واحدة ضمن عشرات مظاهر الحياة العصرية التي تعتمد اعتماداً كلياً على شبكة الأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي، التي أنشأتها الولايات المتحدة قبل عقد من الزمن، ويعتبر المهندسون المدركون لمخاطرها أنها مصدر قلق كبير. وتمثل شبكة الأقمار الصناعية القديمة والمحدودة نقطة فشل واحدة قد تضرب الكثير من الأشياء التي يعتمد عليها الناس في جميع مظاهر حياتهم. فهي لا تسيطر فقط على النقل الجوي، وأجهزة ساتناف، بل أيضاً الأنظمة المالية، وبشكل حاسم، الاستجابة للطوارئ، والإرساليات.

وقد نشرت الأكاديمية الملكية للهندسة في المملكة المتحدة بحثاً العام الماضي يحذر من مخاطر فشل الأقمار الصناعية، وقالت إن النتائج قد تكون كارثية.

وبالنسبة إلى شركات التأمين التي تستخدم التيليماتيكس، قد يعني هذا اختفاء السائقين عن الخريطة، والخروج من الزمن أو عدم التأمين على السائقين.

ويتم حاليا بناء شبكات جديدة أكثر تطوراً مثل نظام غاليليو الأوروبي، الذي سيحسن المرونة، ولكنه لن يكتمل إلاّ في عام 2020 تقريباً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية