مع روغان سيارات المرسيدس البيضاء اللامعة من حفر شوارع طرابلس، تتضح بجلاء تكلفة تنظيف ليبيا بعد الحرب التي انتهت بالخلاص من جبروت حكم العقيد معمر القذافي.
أكوام الأنقاض فوق المباني المحطمة تشير إلى ما تبقى من باب العزيزية، ذلك المجمع المحصن الذي رمز للعهد السابق. وقد يكون تدمير آخر ما تبقى من نظام العقيد هو الجزء السهل. وعلى حكومة تسيير الأعمال التي يقودها مجلس الوطني أن تعيد بناء اقتصاد البلاد. ويتطلع الحلفاء الذين ساعدوا الثورة إلى الحصول على جوائز اقتصادية.
عشرات من رجال الأعمال والتكنوقراط الإماراتيين ألقوا يوم الثلاثاء الماضي أول نظرة على عاصمة ليبيا المحطمة، التي هي المركز الذي يأملون أن يكون أحدث وجهة استثمارية إقليمية بالنسبة لهم.
أنور قرقش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، قاد ما وصفه مراقبون في طرابلس بأكبر وفد رجال أعمال يزور ليبيا منذ انتهاء الحرب. ووصل الوفد على رحلة لشركة طيران الاتحاد من أبو ظبي إلى العاصمة الليبية، لتعزيز العلاقات الوثيقة التي شكلها دعم هذا البلد الخليجي لحملة الثوار على نظام القذافي.
كان أعضاء الوفد على علم بأن الفرص قد تأتي على طبق من فضة بفضل الدعم القوي. لكن كان في أذهانهم كذلك المنافسون من قطر التي كانت أقوى حلفاء ليبيا، كما كانت الممول الرئيسي خلال الحرب، وهي ربما تتوقع الحصول على حصة الأسد من المعاملة التفضيلية، إلى جانب الداعمين الغربيين، ولا سيما فرنسا.
وزار زعيما فرنسا والمملكة المتحدة طرابلس بعد مغادرة القذافي للعاصمة، وقابلتهما الجماهير المرحبة وزعماء الثوار الذين وعدوا بأنهم لن ينسوا الدعم الذي قدم إلى الانتفاضة، حين تبرز الفرص الاقتصادية.
خلال تلك الزيارة في أيلول (سبتمبر) الماضي، أبلغ مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي الليبي، الصحافيين قوله ''إننا نقدر هذه الجهود وستكون لمقدميها الأولوية ضمن إطار من الشفافية''.
ربما تكون ''غنيمة الحرب'' بالنسبة إلى الإمارات وقطر هي السماح لهما بالاستثمار في ليبيا من دون شركاء محليين ـ الشريك المحلي شرط يتطلبه القانون الحالي.
ويقول عبد العزيز الغرير، من مجموعة الغرير العائلية في دبي، التي أصبحت واحدة من أكبر المستثمرين الإماراتيين في ليبيا: ''الأمر الذي نتطلع إليه هو الحضور، وإنشاء متجر لنا على نحو سريع، دون حاجة إلى شراكة محلية''.
ويضيف أن هذه الدولة الإفريقية الشمالية تقف على مفترق طرق، وربما تحل محل العراق على أساس أنها السوق الجديدة العظيمة للمستثمرين الإقليميين. وبوجود ملياري دولار من الأموال الإماراتية التي تم ضخها بالفعل في الاقتصاد الليبي، يرى الغرير أن مستويات الاستثمار سترتفع إلى خمسة مليارات دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، إذا برزت سوق جذابة.
ويتابع: ''كان العراق الأمل العظيم، لكن لم يحدث شيء كبير. آمل هنا أن يعجلوا باتخاذ القرارات ويعملوا بسرعة لترتيب أمورهم. عندها سنرى كثيراً من المستثمرين الإماراتيين هنا، وإلا فإنهم سيبحثون عن الاستثمار في أماكن أخرى''.
وعائلة الغرير مالكة مشاركة في واحدة من أكبر مصافي النفط في رأس لانوف، وتتطلع الآن إلى فرص في الإنشاءات ومطاحن الدقيق.
وحين سئل عما إذا كانت الآفاق بالنسبة لأعماله في ليبيا ستواجه صعوبات بسبب تعامل أسرته مع النظام السابق، قال الغرير إنه ممتن للمستوى الأعلى من الشفافية الذي أظهرته السلطات الحالية. وأضاف: ''في السابق كان يوجد رجل واحد، وكان كل شيء يعتمد على مزاجه. نأمل أن تكون هناك مؤسسات للتعامل معها. ذلك يجعل الأمور أكثر استقراراً''.
ويقول وزير النقل في حكومة تسيير الأعمال الليبية، يوسف العشيشي، إنه مهتم بصفة خاصة بالشراكات الأجنبية العاملة في مجالي الموانئ والمناطق الحرة. ولدى مصراتة، الميناء الساحلي الذي يتحمل بعض أسوأ نتائج صراع الأشهر الثمانية، منطقة حرة يستطيع فيها المستثمرون أن يعملوا في ظل قيود أقل.
ويضيف الوزير الليبي: ''إننا نركز على شراكات تمتد 10 – 15 عاماً، الوقت مبكر للغاية بالنسبة إلى التخصيص. ولا أعتقد أن بإمكاننا عقد صفقات طولية الأجل في الوقت الراهن، لكن يمكننا على الأقل تمهيد طريق التقدم. لا نريد أن تبدأ الحكومة الجديدة من الصفر''.
ومن المتوقع انتخاب برلمان يضم 200 عضو في حزيران (يونيو) المقبل لصياغة دستور جديد وإنشاء إدارة تسيير أعمال أخرى لتهيئة الظروف من أجل تشكيل حكومة دائمة بعد سنة من ذلك.
ويقول سلطان بن سُليّم، رئيس مجلس إدارة مجموعة دبي وورلد، المشغلة للموانئ، إنه على استعداد لتكملة المفاوضات مع الليبيين بخصوص صفقات محتملة.
وعلى الرغم من الجانب الإيجابي للتوقعات، فإن المستثمرين واقعيون بخصوص الإطار الزمني للدخول إلى البلاد. ويشدد قادة الثوار على أن الأولوية الآن لتوفير الأمن وتقديم الخدمات الأساسية.
وبحسب أحد رجال الأعمال الإماراتيين الذي أطلق نشاطه المالي في عدد من أسواق الأسهم في الدول الناشئة: ''يوجد كثير من الغبار الذي لا بد أن ينقشع أولاً. آمل أن يعجلوا في اتخاذ القرارات، وعندها سنرى كثيرا من المستثمرين الإماراتيين هنا''.
