الأحد, 6 سبتمبر 2026|23 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

على أطراف المدن الكبيرة المزدحمة تنتشر مقاه من نوع آخر، تنسجم غالبا مع رغبات الناس، لكنها في الوقت ذاته تحقق الحد الأدنى من اشتراطات السلامة؛ إذ إن الرقيب لا يعيرها وجهه دائما، والمستهلك بدافع التجربة وحب المغامرة لا يتعلق كثيرا بتلك الاشتراطات.

في بيئة كالبيئة السعودية تحضر الإبل كثيرا في الثقافة المحلية بمشروبها اللذيذ الساحر؛ لذا انطلقت الفكرة من مدينة التجارة الأولى جدة في منتصف التسعينيات الميلادية باتجاه مدن سعودية أخرى لتحل في المدينة المنورة في الأعوام القليلة الماضية؛ إذ تتوزع محال بيع الحليب الطازج شمالا من المدينة، قريبا من حلقة المواشي على سفوح جبال أحد الشامخة، لكن المكان يعاني نقص النظافة والترتيب كما يعاني مرتادوه قلقا لا يرتاح بسبب الإشاعة الدائمة عن أن الحليب المباع لا يخرج بصورة طبيعية كما هو الحال عند أصحاب الإبل التي يهدون حليبها ولا يبيعونه كما هو الحال عند هؤلاء.

يطلب هؤلاء الباعة حال جلوس الضيف "الزبون" على جلسة أرضية أو مراتب إسفنجية متهالكة وصفا لكمية الحليب التي يرغبها "الضيف" من الأقداح المتواجدة على الطاولة "طاسة صغيرة خمسة ريالات"، "طاسة كبيرة عشرة ريالات"، "أو أكياس صغيرة تؤخذ بطريقة "السفري" للطعام والشراب المحمول، إلا أن غالب "الضيوف" يفضلون شرابها "طازجة" في أقداح يلفحها الهواء البارد أمام مرأى "النوق" وهي تصدر خلفيات صوتية تصدق المشهد الصحراوي الفريد على أطراف المدينة.

"لا أجمل من شرب الحليب من تحت ضرع الناقة" هكذا يقول خالد سالم، الضيف الدائم عند المضيف السوداني الذي يشير بدوره إلى الفوائد الجمة في الشرب مباشرة بعد حلب الناقة بوقت وجيز، إلا أن النصائح الطبية لا تنفك من التحذير من شرب أية أنواع من الحليب المحلوب للتو إلا بعد غليه أو تسخينه لتبديد احتمالات التعرض لميكروبات تسبب العديد من الأمراض بينها الحمى المالطية.

أمر آخر يشغل بال الضيوف الذين يدفعون أجر ضيافتهم هو في كون المضيفين قد لا يتورعون عن حقن نوقهم بحقن خاصة تسمح لها بمواصلة الإدرار وإرواء ظمأ زبائن آخرين للحليب "الطازج"، إلا أن المضيف وهو هذه المرة كهل سعودي يسخر من هذا الشك والاتهام المبطن بالقول: "هذه نسمعها دائما ولا نعلم لها أساسا، بل إني سألت طبيبا بيطريا قبل مدة عن حقيقة وجودها لأحقن بها نياقي فضحك الطبيب" ويضيف "الشايب" السعودي بجدية أكثر هذه المرة: "ما ينفع النوق ويجعلها تدر باستمرار هو أن تكرمها بالأعلاف فتغدق عليك هي بالحليب".

ورغم أن البيع لحليب الإبل لا يتفق مع طبيعة العادات الموروثة لأبناء الجزيرة العربية الذين يأنفون بطبعهم من بيع ما لا يباع، بل يهدى ويعطى للسائل وابن السبيل، إلا أن "مضيفنا" إياه يبرر مثل هذا التصرف الذي اتفق مع جيرانه من أصحاب الإبل المجاورين عليه بارتفاع أسعار الأعلاف في الفترات الماضية وارتفاع تكاليف المعيشة؛ ما يجعل استمرار مثل هذه الهواية في جمع الإبل تتحول إلى صنعة تكفل نفسها بنفسها.

هذا التصرف في بيع حليب الإبل ربما يصور التحول الكبير في حياة السعوديين من مجتمعات صغيرة إلى حياة المدنية المتسعة المتشعبة، حيث الاقتصاد يدخل بديلا عن الاجتماع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية