الأحد, 6 سبتمبر 2026|23 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

لم يكن الخوف من الثورة، وإنما الخوف من حدوث انقلاب من قبل مسؤوليه الأمنيين، هو ما دفع زين العابدين بن علي إلى الهروب من تونس، والسفر جوًا إلى المملكة العربية السعودية قبل عام، بحسب نجل مسؤول الأمن السابق لديه.

قال سمير سيرياتي (41 عامًا)، ابن الجنرال علي سيرياتي، رئيس الحرس الرئاسي السابق، إن والده المسجون أخبره أن مسؤولين أمنيين شحذوا سكاكينهم لابن علي الذي تولى السلطة في انقلاب أبيض عام 1987.

وأضاف سيرياتي، وهو قائد طائرة نفاثة مستأجرة، في حديث لـ "فاينانشيال تايمز": "كانت هناك ثورة. وفي الوقت ذاته كان هناك أمر آخر يحدث: انقلاب سياسي". كان هدف المتآمرين البقاء في السلطة وتقزيم الثورة بالطريقة التي يواصل بها الجيش مواجهة الثورة في مصر، حسبما زعم سيرياتي. لكن بمساعدة من حيادية رئيس هيئة الأركان في الجيش، الجنرال رشيد عمار، تفوّق الثوار الشباب في نهاية المطاف على المتآمرين المزعومين. وواصل هؤلاء الشباب الخروج إلى الشوارع خلال الأسابيع والأشهر التي تلت الانتفاضة.

وتتفق رواية الجنرال على سرياتي التي نقلت لنجله في الزيارات الأسبوعية التي كان يقوم بها لوالده في السجن، وتدوم لمدة ساعة، مع تقرير قدمه ابن علي ونشر في أواخر العام الماضي في مجلة "ميديا بارت" الفرنسية. وتتطابق أيضًا مع روايات صدرت عن دبلوماسيين غربيين كانوا في تونس في ذلك الوقت. فبحسب دبلوماسي محنك: "كان ابن علي رجلًا يعيش في خوف. رجلًا خائفًا، ثم أصبح خائفًا أكثر فأكثر بمرور الوقت".

وتقدم الرواية نظرة عميقة نادرة في إحدى لحظات التاريخ التونسي التي فجرت الثورات السياسية المزلزلة، وما زالت تهز منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا.

ولا يبدو التونسيون العاديون الذين أكثر ما يقلقهم هو الاقتصاد، تواقين لإعادة فحص الأحداث. فقط قامت الحكومة الإسلامية المعتدلة الجديدة هذا الأسبوع باستبدال شخصية قوية في وزارة الداخلية كانت مرتبطة بالنظام القديم، الأمر الذي أغضب آلاف ضباط الأمن، لكنه أكد لكثيرين أن استبدال الحرس القديم يجري على نار هادئة.

لقد أمضى الجنرال سرياتي العام الماضي في سجن العوينة الواقع بالقرب من مطار تونس الدولي. وهو متهم بالمشاركة في قمع المتظاهرين الذين كانوا يطالبون بالديمقراطية بعد رحيل ابن علي.

ويأمل نجل رئيس الأمن السابق في تبرئة اسم الجنرال سرياتي، مصرًا على أن صاحب الـ72 عامًا والجد لأربعة أحفاد موجود بصورة غير عادلة خلف القضبان وبعيدًا عن وسائل الإعلام، لأنه يستطيع أن يعطي أسماء الذين كانوا يتآمرون ضد ابن علي وضد الثورة وما زالوا في مراكز السلطة. وقال إن إلقاء القبض على والده تم بعد رحيل ابن علي بأقل من نصف ساعة، الأمر الذي يجعل من المستحيل عليه أن يقود العنف في الأيام التي أعقبت الثورة.

وما زالت علامات الاستفهام تكتنف ما جرى في دائرة السلطة في تونس بعد ظهر ذلك اليوم الكئيب الذي تفجرت فيه الاحتجاجات الضخمة في شارع الحبيب بورقيبة المركزي وفي سائر أرجاء البلد. لقد أمر ابن علي بتجهيز طائرة كي تأخذ أسرته وأقاربه إلى خارج البلاد. لكن الجنرال سرياتي الذي كانت وظيفته توفير الحماية للرئيس وأسرته بدأ يتلقى تقارير مزعجة، كما قال نجله لـ "فاينانشيال تايمز". فلم يكن آلاف المحتجين يتجهون إلى القصر الرئاسي فقط، بل كانت هناك تقارير تفيد بأن قوات تحت إمرة العقيد سمير ترهوني، قائد كتيبة مكافحة الإرهاب، والعقيد أحمد شابير، رئيس المخابرات السابق، ووزير الدفاع السابق، رضا جريرة، كانت قادمة لابن علي، كما قال سرياتي.

وعند نحو الساعة 4.15 عصرًا، واجه الجنرال سرياتي الرئيس بتقييم كئيب للوضع، وفقا لسرياتي الابن. وقال: "إذا بقي في القصر، فقد يقطع المتظاهرون عليه سبيل الهرب، ما يمكن مدبري محاولة الانقلاب المزعومة من قتله". وتابع سرياتي: "ذهب والدي إلى ابن علي وأخبره أن خطر وقوع انقلاب عليه بات وشيكًا. وحثه على الخروج من المطار العسكري مع أسرته". وقاوم ابن علي، لكن الجنرال سرياتي أصر على ذلك. "عندها قرر ابن علي أن يغادر".

وقال سرياتي إن والده كان يقوم بواجبه فقط، لكن الدبلوماسي الغربي قال إن من المحتمل أن يكون الجنرال سرياتي متآمرًا. وأضاف شريطة عدم ذكر اسمه: "من المؤكد أن ابن علي كان خائفًا على حياته، لكن جزءًا من هذا كان مبنيًا على قصص رواها له سرياتي. ربما كان سرياتي يفكر في الاستيلاء على السلطة".

في الأيام التي أعقبت صعود الرئيس وأسرته إلى الطائرة، التي حطت في المملكة العربية السعودية، استمر إطلاق النار والمصادمات بين قوات الأمن والمتظاهرين. ويقول سرياتي إن العنف كان جزءًا من محاولة قام بها مسؤولو الجيش وأنصار النظام السابق للتمسك بالسلطة.

لكنهم لم يكونوا موفقين، ومن الواضح أنهم أخطأوا الحسابات. فقد ظل الجيش بقيادة الجنرال ابن عمار مخلصًا للانتفاضة الشبابية. وطالب المحتجون بإزالة أركان النظام السابق من الحكومة الانتقالية وكان لهم ما أرادوا. وجاءت الانتخابات التونسية في تشرين الأول (أكتوبر) مبشرة بعهد سياسي جديد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية