الأربعاء, 16 سبتمبر 2026|3 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

"القديم يموت والجديد لا يمكن أن يولد. في الفترة الفاصلة ستظهر مجموعة كبيرة من الأعراض المرضية". كانت تلك الجملة من كتاب Prison Notebooks، تأليف الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي، هي المفضلة لدى الطلاب الماركسيين حين كنت أدرِّس في الجامعة في الثمانينيات. حينها كنت أعتبرها هراء محضاً. إلا أن ملاحظة غرامشي يتردد صداها الآن في عصر الحيرة الأيدولوجية.

الثوابت القديمة عن مسيرة الأسواق إلى الأمام بدأت بالانهيار. لكن لم تثبت أية نظرية جديدة "الهيمنة" الأيديولوجية، إذا أردنا استخدام المفهوم الذي جعله غرامشي مشهوراً، إلا أن بعض الأفكار تكتسب قوة جديدة. أقوى أربعة اتجاهات ناشئة يمكنني رؤيتها هي، بمصطلحات عامة جدا، الشعبوية اليمينية، والكينزية الديمقراطية الاشتراكية، والهايكانية التحررية*، والاشتراكية/الرأسمالية المضادة.

كل من هذه الاتجاهات الجديدة هي رد فعل ضد الأفكار السائدة في الفترة 1978-2008. في ذلك الحين، على الرغم من الاختلافات الصغيرة بين الاشتراكيين في الصين، والرأسماليين في نيويورك، واليسار المتساهل في أوروبا، إلا أن نقاط اتفاقهم لم تكن أكثر إذهالا من اختلافاتهم. فقد كان القادة السياسيون من جميع أنحاء العالم يتحدثون اللغة نفسها عن تشجيع التجارة الحرة والعولمة. وتم تقبل عدم المساواة المتزايد باعتباره ثمناً يستحق دفعه من أجل النمو الأسرع. وحدد دينغ زياو بينج المسار حين أعلن: "الثراء هو المجد". ولم يكن بوسع رونالد ريغان أو مارغريت تاتشر التعبير عن ذلك على نحو أفضل.

لكن في أوروبا ما بعد الأزمة يتزايد انتشار اتجاه الشعبوية اليمينية - من حزب الحرية في هولندا إلى الجبهة الوطنية في فرنسا والرابطة الشمالية في إيطاليا. الشعبويون يناهضون العولمة ويناهضون أوروبا والهجرة - الشعور المشترك بينهم هو أن كل هذه القوى ضد مصالح الأمة. والعداء للإسلام يربط اليمين الشعبوي في أوروبا بأجزاء من حركة حزب الشاي في الولايات المتحدة.

هناك بعض التداخل بين الشعبويين والهايكانيين التحرريين - إلا أن الحركتين لهما هواجس مختلفة. في الولايات المتحدة يحمل رون بول، الجمهوري المنشق، لواء التحررية. ويستذكر باعتزاز تناول العشاء مع فريدريش هايك شخصيا، ومشاهدة استنكار ملهم للاشتراكية من قبل لودفيغ فون ميزس، وهو اقتصادي آخر في المدرسة النمساوية. وهذا يفسر تصريحات بول المحيرة، بعد المؤتمر الحزبي في أيوا الأسبوع الماضي، التي قال فيها: "أنا أنتظر اليوم الذي يمكننا فيه القول إننا جميعا نمساويون الآن".

التحرريون غريبون فعلا، لأنهم يقولون إن الأزمة الحالية ليست ناجمة عن الكثير جدا من الرأسمالية، بل عن الكثير جدا من تدخل الدولة. وفيما يتعلق بالمدرسة النمساوية، "العلاج" الكينزي لأزمة الرأسمالية أسوأ من المرض.

بول هو أشد المدافعين عن القناعة القوية لليمين الأمريكي بأن الولايات المتحدة تعاني من دولة مفرطة القوة. والرغبة الشديدة بتقليص الحكومة إلى ما كانت عليه في القرن الثامن عشر ليست رغبة مشتركة في أوروبا. إلا أن تشكك أنصار بول في البنوك المركزية التي تهدد بزعزعة العملة يتردد صداه بقوة في ألمانيا - حيث اليمين الهايكاني يشعر بالصدمة من عمليات البنك المركزي الأوروبي، ومن عمليات الإنقاذ للبلدان المفلسة. وهذا الاتجاه الأيديولوجي لا يقتصر على الغرب. ففي مقال نشر أخيرا، قال سيمون كوكس في مجلة الإيكونوميست، إن نقاشات السياسة في الصين حول دور الدولة في إنعاش الاقتصاد يضع الهايكانيين أيضا ضد الكينزيين.

في الغرب، أشد المعارضين للهايكانيين هم الديمقراطيون الاشتراكيون الكينزيون. وغالبا ما تترافق قناعتهم بالإنفاق على العجز باعتبار ذلك مفتاح تحفيز الاقتصاد مع الدعوة لدولة أكثر نشاطا وتوسعا. وفي أوروبا، حيث يوجد مجال صغير لزيادة إنفاق الدولة، يؤيد الديمقراطيون الاشتراكيون فرض قوانين أكثر صرامة على التمويل بأحجام ضخمة، وإحياء السياسة الصناعية - وتجديد التأكيد على معالجة عدم المساواة. وفي حين أن محاولات وصف باراك أوباما بأنه "اشتراكي" سخيفة، إلا أن من العدل وصفه بأنه ديمقراطي اشتراكي. فالرئيس الأمريكي لا يرفض الرأسمالية، لكنه لا يسعى لتحسينها من خلال دولة أكثر نشاطا تعد بتوفير الرعاية الصحية الشاملة وإعادة توزيع الضرائب. وحقيقة أن عدم المساواة أصبحت مصدر قلق عالمي من الصين إلى تشيلي، ومن الهند إلى مصر، توحي بأن هذا أحد الاتجاهات العامة الأخرى التي أصبحت عالمية.

ويدل فشل اليسار المتشدد في الاستفادة من الأزمة الاقتصادية على مدى فقدان الشيوعية لصدقيتها بسبب انهيار النظام السوفياتي. إلا أن البطالة الجماعية في أوروبا قد تنتج الظروف الملائمة لإحياء الحركة المناهضة للرأسمالية. فقد حصل الحزبان من أقصى اليسار في اليونان على نحو 18 في المائة في استطلاعات الرأي الأخيرة. وتضم المجموعات المتنوعة التي تنظم حملات تحت شعار حركة "احتلوا وول ستريت" بعض الاشتراكيين الحقيقيين. وتوجد في الصين حركة "اليسار الجديد" القوية التي توافق ظاهريا على الماوية.

ستحدد الأحداث أياً من هذه الاتجاهات الأيديولوجية هو الذي سيرسم مسار العصر الجديد.

وفي ظل ظروف طبيعية، ربما أؤيد اتجاه الديمقراطية الاشتراكية. فحزب الشاي ليس نوع الشاي المفضل لدي. لكني قضيت نهاية الأسبوع في قراءة روايات الصحف عن الأرقام الهائلة التي قد يتم صبها في عمليات الإنقاذ للبنوك والدول في أوروبا. ثم قلبت الصفحة لأقرأ مطالب حول مزيد من الحمائية والتنظيم في الاتحاد الأوروبي. وللحصول على بعض الترفيه، ذهبت لأشاهد فيلم "المرأة الحديدية" - الفيلم الجديد عن مارغريت تاتشر. وقد جعلتني كل هذه التجربة أشعر بغرابة أني نمساوي.

*نسبة إلى الاقتصادي الشهير فريدريش هايك (1899 ـ 1992) المولود في فيينا والحائز على حائزة نوبل عام 1974.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية