الاثنين, 7 سبتمبر 2026|24 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

هناك كتاب من أنجح كتب الحمية الغذائية، بعنوان (فن الحياة الطويلة) The Art of Living Long ، من تأليف تاجر من البندقية يدعى لويجي كورنارو (1464 – 1566). ولا يزال هذا الكتاب متداولاً في أيامنا هذه بعد مرور أكثر من 450 عاماً على صدوره للمرة الأولى في مدينة بادوا في عام 1558.

حقق الكتاب نجاحاً فورياً، وطبع مرات كثيرة، وتُرجِم إلى لغات كثيرة. وقد اطلع المعاصرون من أمثال إليوت وبورد وفون وماركام، الذين كانوا معنيين بما اعتبروا أنه مشكلة الإفراط في المأكل والمشرب، اطلعوا على "النظام الغذائي المثير للإعجاب" من كورنارو، وهو نظام لا يبتعد كثيراً عن طعام الفلاحين البسيط، الذي كانوا جميعهم ينصحون الناس به.

في طبعة من كتاب (فن الحياة الطويلة) نشرت في عام 1903 كان الناشر لا يزال ينصح القراء باتباع النصائح الموجودة في كتاب كورنارو، ويوصي باتباع روح هذا المنهج إن لم يكن باتباع منهجه الذي كان مسألة حياة أو موت، وهو منهج يمكن لصرامته، كما يعلم المختصون المعاصرون في علم الأعصاب السلوكي، أن تؤدي إلى نتائج عكسية.

تعتبر قصة كورنارو حكاية تدور حول الخطيئة والمغفرة، وهي تبدأ باعتراف صريح وشامل حول السنوات الأربعين الأولى من حياة المؤلف، التي أمضاها في إسراف وانغماس وشرَه في الملذات. هذا النمط من الحياة حرمه من كثير من الأصدقاء الممتازين، وبالتالي لجأ إلى أفضل الأطباء لمساعدته على إزالة الأضرار التي أوقعها بنفسه قبل أن يذهب هو كذلك إلى القبر في عمر مبكر. وفي النهاية وصل إلى نتيجة مفادها أن هناك شيئاً واحداً فقط يمكن أن ينجيه – وهو أن يحيا حياة منتظمة ودون الإفراط في تناول المسكرات. كانت المسألة بالنسبة إلى كورنارو هي إما الحمية أو الموت (بمعنى أن يراعي الحمية الغذائية أو يكون مصيره الموت). وبالتالي قام بإعداد نظام غذائي شخصي وأنقذ حياته.

القاعدة الأولى في قواعد الحمية التي وضعها كورنارو هي استعادة السيطرة على النفس. فقد رأى أن طريقة النهم والشراهة ليست مجرد خطيئة شخصية وإنما تفتك بالإنسان كذلك. وكان يعتبرها بمثابة قوة رؤيوية: "فهي تقتل كل سنة عدداً من الناس يفوق ما يَهلك منهم خلال الزمان الذي تنتشر فيه أفظع الأوبئة، أو بالسيف أو الاحتراق بنار أكثر الحروب دموية".

وقد استشهد بكتابات القدماء من أمثال جالينوس وأبوقراط وأفلاطون وشيشرون، وأصر بحماس من اعتنق ديناً جديداً، على أن يعيش حياة عادية منتظمة يسودها الاعتدال. ورأى أنه لا بد من السيطرة على جميع المشاعر الحماسية، هذا إن لم يقضِ عليها، وأنه يجدر بالإنسان أن يتوقف عن أن يكون عبداً للمتعة والمقبلات لأنها ليست إلا أوهاماً مهلكة.

كان الذوق هو إحدى المتع التي من هذا القبيل. وقال إن الفكرة القائلة :"إن ما يبهج حاسة الذوق لا يمكن إلا أن يكون مفيداً للقلب" هي فكرة خاطئة، ولا تخدم إلا أصحاب الملذات الذين سيكون مصيرهم المعاناة على الأجل الطويل، وتخدم "تجار الدواء الذين يعملون دون كلل أو ملل على تنفيذ الخطط المضادة لعمل الطباخ وصانع النبيذ". بالنسبة إليه كان الدواء في معظمه ليس إلا بديلاً عن الضرورات التي تؤدي إلى الفقدان الحقيقي للوزن، وهي التمرين والاعتدال.

وكان ينصح الناس بأنه ينبغي عليهم أن يأكلوا كميات قليلة وأن يقنعوا بالقليل (الذين يضعون قيوداً على مقدار السعرات الحرارية في الوجبات هم أحفاد مباشرون متحدرون من النظام الغذائي الذي وضعه كورنارو)، وكان يوصي بنظام غذائي يومي يتألف من أطعمة يبلغ وزنها نحو340 جراماً، وتشتمل على الخبز والحساء، وصفار البيض الموضوع حديثاً، واللحم، إلى جانب نحو 400 جرام من العصير.

*(هذه المعلومات مأخوذة من كتاب بعنوان "السعرات الحرارية ومشدات البطن Calories and Corsets"، بقلم لويز فوكسكروفت، صدر الأسبوع الماضي عن دار" بروفايل بوكس").

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية