يستعد المصرف المركزي الأوروبي لضخ مئات المليارات من اليوروهات في نهاية الشهر المقبل، وذلك على غرار ما أقدم عليه في 22 من الشهر الماضي عندما قام بأكبر عملية ضخ سيولة في تاريخه (489 مليار يورو) من خلال تقديم القروض للمصارف في منطقة اليورو، ولأول مرة أيضا، لمدة ثلاث سنوات بفائدة 1 في المائة.
والمصرف المركزي الأوروبي أقدم على هذه العملية على أمل أن يصيب عصفورين بحجر واحد. الأول: حل مشكلة السيولة لدى المصارف، وثانيا: تخفيف الضغوط على فوائد القروض بين المصارف وصولا إلى تمكينها من إقراض بعضها بعضا. أي إنهاء أزمة الثقة بين المصارف لكي لا تزداد الأوضاع الاقتصادية تدهورا. لأن من شأن امتناع المصارف عن تبادل القروض فيما بينها لجم عجلة الاقتصاد من خلال شح القروض للمؤسسات الاقتصادية وأيضا للأفراد. وهذه المسألة تأخذ أبعادا خطيرة في ظل دخول منطقة اليورو في مرحلة من الركود الاقتصادي.
الثاني: أن تقدم المصارف على شراء سندات الخزانة في دول منطقة اليورو. حيث يتم الحديث الآن عن حاجة هذه الدول إلى ألف مليار يورو لإعادة خدمة ديونها السيادية.
وبعد مضي ثلاثة أسابيع على إقراض المصارف الأوروبية الـ 524 في منطقة اليورو المبلغ الكبير. تبين للمصرف المركزي الأوروبي أن المصارف اقترضت المبلغ لتحمي نفسها من التطورات المالية والاقتصادية في دول منطقة اليورو.
فيوم الإثنين الماضي وضعت المصارف الأوروبية لدى المصرف المركزي الأوروبي نحو 482 مليار يورو، لمدة 24 ساعة. فالمصارف الأوروبية تملك القدرة على أن تودع السيولة التي بحوزتها غير المستعملة، وهذه العملية تتكرر باستمرار يوميا.
أي أن مئات مليارات اليوروهات تأخذ طريقها إلى المصرف المركزي الأوروبي وليس العكس. وهكذا فإن المصارف الأوروبية المعنية تفضل التعاطي بحذر مع التطورات والأوضاع الاقتصادية الراهنة والمقبلة على تحقيق الأرباح الكبيرة، فشراء سندات الخزانة الإيطالية لمدة عشر سنوات مثلا يسمح للمصارف بتحقيق أرباح بنسبة 7 في المائة. بينما إيداع المبالغ لدى المصرف المركزي الأوروبي يتم بفائدة 0.25 في المائة.
وحذر المصرف ينبع من عدة مسائل في مقدمتها الخوف من التطورات في منطقة اليورو، والخوف أيضا من إقدام السلطة على فرض قواعد أكثير صرامة بالنسبة لنسبة السيولة التي يجب على المصارف الاحتفاظ بها. فعام 2012 يبدأ على غرار العام الذي سبقه، أي على وقع أزمة الديون اليونانية. فقد قرر الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي تأجيل دفع مستحقات خطة المساعدات الثانية لليونان لثلاثة أشهر بسبب عدم تمكن الحكومة الانتقالية اليونانية من إتمام خطة إعادة جدولة ديون البلاد بالمشاركة الطوعية للمصارف. إضافة إلى رفض النقابات تخفيض الأجور والرواتب.
وهذا يلقي بظلال الشك حول مسألة بقاء اليونان في منطقة اليورو.
ومسألة الديوان السيادية لا تنحصر فقط في اليونان. فقد أعلنت مدريد أنها في حاجة إلى 50 مليار يورو لسد احتياجات المصارف الإسبانية. هذا إضافة إلى مواصلة العجز في الموازنة العامة للبلاد واضطرار السلطة المركزية لتقديم الدعم المالي للمناطق، حيث أعلن وزير الاقتصاد الإسباني أن الدولة سددت مبلغ 125 مليون يورو لمصرف دوتش بنك بدلا عن منطقة فالنسيا.
ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي أكد أنه سيكون من الصعب تنفيذ الاقتراح المتعلق بتسديد الديون السيادية بنسبة 21 في المائة سنويا لأن ذلك يعني بالنسبة لبلاده أنه يتوجب عليها تسديد 40 مليار يورو لأن نسبة العجز في سندات الخزانة الإيطالية تبلغ 120 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وفي الحالة الإيطالية ليست مسألة الديون السيادية وحدها التي تجعل المراقبين ينظرون بحذر إلى التطورات المرتقبة في منطقة اليورو، وهناك ما يتعرض له أكبر مصرف إيطالي. فحلول أسبوع واحد، أي في مطلع هذا العام فقدت أسهم مصرف يونيكرديت الإيطالي 50 في المائة من قيمتها، فيوم الإثنين وحده خسر سعر السهم 13 في المائة مع إعلان حملة زيادة رأسماله بـ 7.5 مليار يورو لكي يتمكن من توفير نسبة الـ 9 في المائة في رأسماله الخاص من موجوداته المالية قبل نهاية حزيران (يونيو) المقبل، كما تطالب السلطة المصرفية الأوروبية. كما أظهرت العملية أن مالكي الأسهم في المصرف لا يرغبون في المشاركة في عملية زيادة رأسماله. علما أن 27 مصرفا يكفل العملية، ومنها مصارف مثل بنك أوف أمريكا وميريل لينش.
وفيما كان مصرف يونيكرديت يعاني عملية زيادة رأسماله فإن مصرف سانتاندر الإسباني وهو أكبر مصرف في البلاد نجح في زيادة رأسماله بـ 15 مليار يورو من دون أي صعوبات.
والسبب الذي يجعل المصرف الإيطالي يرى رأسماله يتبخر يكمن أولا في أنه خضع لثلاثة عمليات لزيادة رأسماله خلال ثلاث سنوات، وثانيا أنه توسع كثيرا باتجاه دول أوروبا الشرقية، وهو معرض للمزيد من الضغوط بسبب الديون السيادية لهذه الدول والثالث هو أنه سجل خسائر كبيرة العام الماضي 10.5 مليار يورو والرابع ومن خلال أزمة يونيكرديت فإن إيطاليا وبسبب مخاطر ديونها السيادية وآفاق النمو الاقتصادي المعدومة لديها تجعل المستثمرين يتهربون من شراء أسهم أكبر المصارف الإيطالية.
وهكذا فإنه ومنذ بداية العام الجديد تبدو عملية تسديد الديون السيادية طويلة. وتبدو معها أن المخاطر في منطقة اليورو لا تزال كبيرة، وذلك على الرغم من التوجهات التي وضعتها القمة الأوروبية الأخيرة حول طريق الإندماج الضريبي في التاسع من الشهر الماضي هو عدم مراعاتها لقضية الموازاة بين الصرامة في احترام العجز في الموازنات وبين دعم النمو الاقتصادي في منطقة اليورو. وقد غابت هذه المسألة كليا عن القمة الأوروبية الأخيرة.
وبدأت الأصوات تتصاعد للمطالبة بوضع خطة للنمو الاقتصادي فيما تدخل منطقة اليورو في مرحلة من الركود.
ولعل هذا ما دفع برئيس الوزراء الإيطالي للإعلان أن الاتحاد الأوروبي لم يحظ حتى الآن بخطة للنمو الاقتصادي، ومن دون عودة النمو فإن الأزمة لن تحل. ودعا إلى وضع خطة أوروبية للنمو الاقتصادي بالتوازي مع المقترحات المتعلقة بالسياسة التقشفية لتشويه أزمة الديون السيادية.
كما أن أنطونيو ثاجاني نائب رئيس المفوضية الأوروبية يؤكد أن الوضع في غاية الدقة. ويدعو إلى عدم التركيز فقط على مسألة الديون السيادية التي تضعف عددا من الدول الأوروبية، ويؤكد أن مسألة وضع استراتيجية أوروبية للنمو في دول الاتحاد الأوروبي باتت مسألة ملحة للغاية، وطالب بخطة تقوم على مساعدة المؤسسات الأوروبية المتوسطة والصغيرة الحجم والتي يبلغ عددها 23 مليونا في دول الاتحاد الأوروبي.
إضافة إلى كل ما تقدم فإنه وأمام بقاء المعطيات الاقتصادية المتعلقة بارتفاع البطالة وغياب النمو الاقتصادي غير مستقرة، إضافة إلى الخوف من عدم إقدام المصارف على استخدام قروضها من المصرف المركزي الأوروبي لشراء سندات الخزانة والخوف من إقدام وكالات التصنيف الائتماني على تخفيض تصنيف الأكثرية الساحقة من دول منطقة اليورو، كل هذه العوامل تدفع بالمصرف المركزي الأوروبي إلى ضخ المزيد من المليارات لحل أزمة السيولة بين المصارف على أمل أن تقدم المؤسسات المالية على شراء سندات الخزانة في منطقة اليورو، خاصة الإيطالية. وجاءت عمليات تمكن السلطات الإيطالية والإسبانية من طرح بيع سندات خزانة بفوائد معقولة للغاية يأتي كاستقبال الأسواق للتسريبات المتعلقة بنوايا المصرف المركزي الأوروبي.
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها المصرف المركزي الأوروبي، والتي من شأنها إضعاف اليورو في المرحلة المقبلة، فإن بعض المصارف الفرنسية الكبرى لا تزال تعبر عن قلقها لأن المصرف المركزي الأوروبي لا يلجأ مباشرة لشراء سندات الخزانة للدول الأوروبية الهشة، على غرار ما يقدم عليه الاحتياط المركزي الأمريكي والمصرف المركزي البريطاني.
