كلُف "راجو" الهندي الجنسية وهو مستشار لدى إحدى البنوك بالمملكة لحضور اجتماع هام بدبي, فقام بدوره بحجز تذكرة طيران على متن إحدى الخطوط , ليفاجأ فور وصوله المطار بأن حجزه ملغى!!
"راجو" حامل شهادة الدكتوراه في مجال إدارة المخاطر "Risk Management" من أحد أعرق الجامعات الأمريكية أصبح يصيح منادياً بالمطار "مقادير يا درب العنا مقادير" من هول الصدمة!!. بعد "التنبيش" اتضح أن أحد موظفي الخطوط تلقى طلباَ من صديق "شلة الاستراحة" يدعى عفاس , بتدبير حجز لدبي بأقصى سرعة واعداً إياه بساعة رولكس "تقليد" في حال أمكن ذلك!! فقرر الموظف إلغاء حجز راجو باعتباره "هندي" ليحل محله عفاس.
بهذا الخصوص سأتحدث عن التكييف القانوني لعقد النقل الجوي أولاً, وثانياً عن مسؤولية الناقل الجوي العقدية أمام العميل عن حجزه الملغي.
أولاً : التكييف القانوني لعقد النقل الجوي للركاب :
إن فكرة النقل الجوي تعتمد على قيام الناقل بنقل فرد من مدينة لأخرى بمقابل مادي نظير ذلك , ولكن بعد "سونامي تفكير" ارتأيت بأن عقد النقل الجوي ليس "عقد نقل" بل "عقد إيجار" مستنداً إلى النظرية العامة للعقود .. كيف؟
من واقع عملية النقل الجوي يلتزم الناقل الجوي بمقتضى العقد المبرم مع الراكب بتأجير مقعد له والانتفاع به على متن طائرة لمدة معينة متفق عليها وهو الالتزام الأساسي , أما الالتزامات المتفرعة من هذا العقد هي التزام الناقل بنقل الفرد من مدينة لأخرى خلال فترة الإيجار , وكذلك التزام الناقل بتوفير وجبة غذائية مجانية للراكب وفقاً للعرف المعمول به لدى شركات الطيران عموماً , وكذلك التزام الناقل بتوفير أدوات السلامة والتأكد من مدى صلاحيتها. ولما كان عنصر الزمن هو العنصر الجوهري في عملية النقل , و هو العنصر الجوهري بعقود الإيجار بصفة عامة يمكنني تعريف العقد المبرم مع الناقل الجوي بأنه " عقد أيجار مقعد على متن طائرة مشروط بالنقل خلال فترة الإيجار من مدينة لأخرى".
وقد يختلف معي البعض بحجة أن عنصر النقل هو العنصر الجوهري في العقد وبالتالي يعتبره عقد نقل , ولكن بافتراض أن عنصر النقل هو عنصراً جوهرياً. السؤال هل عملية النقل تبدأ وتنتهي في أي وقت? بعد يوم , شهر , سنة "متى ما فضيت"? طبعاً الإجابة لا بالتالي يعتبر العنصر الجوهري هنا الزمن.بالإضافة أنه حتى لو كان المسمى المتعارف عليه للعقد هو "عقد نقل" , ففي الكثير من العقود عموماً "مسمى العقد" قد لا يعكس "واقع العقد" ذاته.
ثانياً : مسؤولية الناقل الجوي العقدية أمام العميل عن الحجز الملغي :
المسؤولية العقدية تفترض حدوث فعل من أحد أطراف العقد نتج عنه ضرر للطرف الأخر, إضافة إلى وجود علاقة سببية بين الفعل والضرر وبتطبيق ذلك على واقعة راجو وعفاس نلاحظ التالي :
الفعل الصادر من أحد موظفي الخطوط المتمثل بإلغاء الحجز لأحد الركاب مما سبب ضرر له وهو "منعه عن حضور اجتماع هام بدبي" , والسبب في إلغاء الحجز هنا لم يكن نتيجة
لقوة قاهرة كحدوث عاصفة جوية أو لظرف طارئ كصدور قرار مسبب من جهة رسمية بمنع راجو من السفر , وبالتالي بلا شك يعتبر ذلك إخلالاً عقدياً بالتنفيذ من جانب الخطوط "Default of contractual Obligation" وهو ليس أمر مفترض بل هو ثابت في حقها.
وبالحديث عن التعويض في مثل هذه الحالة فهو لا شك ثابت على الخطوط ولكن الآلية المتخذة للتعويض فيما يتعلق بقيمته أمر واسع وهو غير واضح , فقد نصت اتفاقية مونتريال صراحةٍ على استحقاق كل راكب مبلغ وقدره 5000 يورو كتعويض عن تأخير الرحلات .. طيب كلام جميل, فهل سمعنا ذات يوم عن قيام الخطوط الـ (...) عن تعويض الركاب عن الرحلات المتأخرة ؟؟؟ وهل يستدعي الأمر قيام كل راكب برفع دعوى أمام المحكمة المختصة للحصول على التعويض ؟؟ فلماذا لا يكون التعويض تلقائي من الخطوط!!؟؟
وأخيراً ... أرجو أو عفواً أقصد "أحلم" بأن ينتهي كابوس إلغاء الحجوزات على متن خطوط الطيران.كما أود التأكيد بأنني لا أقصد "خطوط طيران معينة" في هذا المقال, وفي حال وجود تشابه أو تطابق بين ما قلت و"واقع تعاملات" أي خطوط طيران بالعالم فهي مسؤولية "الباش مهندس" مدير خطوط الطيران ذاتها عن ضعفه الإداري, ليست مسؤوليتي الشخصية.

