الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

الوداع يا شركة ساب، فقد كنتُ أعرفكِ جيداً. حين كنتُ في موسكو في الثمانينيات، شأني في ذلك شأن المقيمين الغربيين الآخرين في المدينة، وحين كانت فصول الشتاء متجمدة مثل المناخ السياسي السوفياتي، كنتُ بحاجة إلى سيارة يمكن تشغيلها دون مشاكل في درجات حرارة عند مستوى 20 درجة مئوية تحت الصفر. فإذا استطاعت تلك السيارة النجاة من الصدوع والشقوق التي تخفيها الثلوج على طرق موسكو، فبها ونعمت. من هذين الجانبين كان أداء سيارة ساب أفضل من معظم السيارات الآتية من العالم الرأسمالي البعيد.

استرجعتُ هذه الذكريات في الشهر الماضي حين أعلنت إحدى المحاكم السويدية إفلاس شركة ساب بناء على طلب المالكين الهولنديين للشركة، الذين اشتروها من جنرال موتورز قبل أقل من سنة. والواقع أن ساب – التي كانت فيما مضى واحدة من أكثر العلامات التجارية المحبوبة في الصناعة السويدية – ظلت تتقاذفها الرياح من أزمة إلى أزمة خلال معظم فترة الأحد عشر عاماً التي أمضتها تابعة مملوكة بالكامل لجنرال موتورز. وأصبح وضعها المالي ميؤوساً منه تماماً إلى درجة أنها بعد الأول من نيسان (أبريل) لم تصنع سيارة واحدة. إذا أخذنا جميع الأمور في الحسبان، يتبين أن الأوان قد آن لإطلاق رصاصة الرحمة على ساب، وهذا يفسح المجال أمام ماهيندرا آند ماهيندرا، شركة صناعة السيارات الرياضية الهندية النشطة التي تحب اقتناص الصفقات، أو جهة أخرى لاقتناص أفضل أجزاء الشركة.

كانت ساب شركة إنتاج في سوق متخصصة، تعمل في صناعة متقلبة مفرطة في طبيعتها التنافسية، وهي صناعة يمكن أن تتعرض فيها إحدى الشركات للخراب إذا أنتجت موديلاً أو اثنين بهما خلل أو عيب. لكن بالنسبة لشركات صناعة السيارات الأوروبية بصورة عامة، يظل السؤال ما إذا كان انهيار ساب مجرد نذير بحدوث هزة على نطاق واسع في الصناعة يمكن أن تقع في عام 2012.

كان هذا الجيشان بانتظار أن يحدث منذ الركود الذي شهدته صناعة السيارات الأوروبية والأمريكية عقب الأزمة المالية التي تعرض لها العالم الغربي في خريف عام 2008. في ذلك الوقت تدخل السياسيون في أوروبا والولايات المتحدة، وأنقذوا المصانع وحموا الوظائف وقدموا الأموال الخاصة ببرامج تحويل السيارات إلى خردة، لإطالة أجل الطاقة الإنتاجية المفرطة التي بلغت بالنسبة لسوق سيارات الركوب في أوروبا 30 في المائة.

وسواء أكان مرغوباً فيه أم لم يكن، فإن تقديم الدعم المالي من الدولة لشركات صنع السيارات المتعثرة ليس بالشيء الذي يفكر فيه السياسيون الأوروبيون حتى الآن بالنسبة لعام 2012. لكن إذا تعين في الأعوام القليلة المقبلة القيام بعمليات إنقاذ حكومية على غرار ما جرى في عام 2009، فسيكون من الصعب من وجهة نظر سياسية ومالية تكرار العملية بالحجم نفسه الذي بلغ مليارات اليورو.

ذلك أن الماليات العامة الأوروبية مشدودة بإحكام أكثر في هذه الأيام مما كانت عليه قبل ثلاثة أعوام. فالدين الحكومي أعلى والتشقف هو شعار الزعماء السياسيين من لندن إلى أثينا. وفي ظل إغلاق الشركات أبوابها وارتفاع مستوى البطالة عبر القارة، سوف يبدي كثير من الناخبين درجة أقل من الاحتمال فيما يتعلق بتقديم العون المالي لشركات صنع السيارات.

وكما هو حال الأمور في الوقت الراهن، قد تنجو حتى شركات صنع السيارات الضعيفة في أوروبا هذا العام، رغم أنه يجب الاعتراف بأن قليلاً من هذه الشركات سوف تجد الاستمرار سهلاً. فهناك قليل من الارتياح الذي يمكن استخلاصه من بيانات كانون الأول (ديسمبر) لتسجيلات السيارات الأوروبية الجديدة. لقد تماسكت مبيعات السيارات الجديدة بصورة جيدة نوعاً ما في ألمانيا، لكنها اتسمت بالركود في فرنسا وانخفضت كثيراً في إيطاليا وإسبانيا.

والاتجاه العام لتراجع المبيعات الذي بدأ في أوروبا في عام 2007 يبدي إشارة ضئيلة على أنه سيخف. وأحد الأسباب لعدم توقع تحسن كبير في عام 2012 هو أن أزمة الديون السيادية والأزمة المصرفية في منطقة اليورو ماثلتين وخطرتين كما كانتا من قبل. ومن شبه المؤكد أن المنطقة تشهد ركوداً يضعف الثقة لدرجة أنه في الأشهر المقبلة سيمنع ملايين المستهلكين من شراء أشياء عالية الثمن كالسيارات.

وهذا يستتبع أن شركات صنع السيارات التي يحتمل أن تكون أكثر معاناة هي تلك التي تعتمد بشدة على الأسواق الأوروبية في معدل دوران مخزونها.

في هذه البيئة القاسية تعتبر شركات صنع السيارات الألمانية في مركز أفضل من معظم الشركات المنافسة لها. ذلك أن البلدان الناشئة كالبرازيل والصين، وكذلك الأسواق التقليدية كالولايات المتحدة، تشكل نحو نصف إيرادات شركة BMW وقسم مرسيدس بنز التابع لشركة ديملر، وشركة فولكسفاجن. أما أسواق أوروبا الجنوبية كإيطاليا والبرتغال وإسبانيا فهي أقل أهمية بكثير.

ويعتمد الكثير على الآفاق الاقتصادية في الصين، حيث باعت شركة فولكسفاجن، مثلا، 27 في المائة من جميع سياراتها في عام 2010. وفي الوقت الراهن تبدو سوق السيارات الصينية مهيأة للاستمرار في التوسع هذا العام، رغم أن ذلك ربما يكون بمعدل متواضع نسبياً لا يتعدى 5 في المائة.

والأمر مختلف جداً بالنسبة لشركة بيجو ستروين الفرنسية التي أعادت تنظيم إدارتها العليا يوم الأربعاء عبر تعيين مدير جديد للإدارة المالية ورئيس جديد للعلامات التجارية.

ولا تعتمد أي من الشركات التي تعتمد كميات كبيرة في مبيعاتها على أوروبا الغربية كشركة بيجو. لكن فرنسا ستجري هذا العام انتخابات رئاسية وبرلمانية. ومن غير المتصور أن تجعل الطبقات السياسية شركة بيجو تغرق في متاعب عميقة – أو حتى تسمح بفقدان الوظائف في مصانع السيارات الفرنسية.

ورغم ذلك، إذا كان السياسيون وقادة الشركات في أوروبا يؤمنون حقاً باقتصاد السوق وبالمنافسة، ينبغي عليهم أن يقدموا الدعم للشركات التي تستحق. ستزدهر شركات السيارات الأقوى، ونتمنى لها حظاً سعيداً. لكن الشركات الأضعف، كشركة ساب، ستتلاشى. فليكن.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية